
إيمان التجاني
لم تعد الأزمة التي يعيشها السودان مجرّد حالة اضطراب عابرة، بل أصبحت عنوانًا لخلل عميق في بنية السلطة ومؤسساتها، وانهيارٍ واضح في منظومة القيم السياسية والأخلاقية التي كان يُفترض أن تقوم عليها الدولة. فالبلاد تجد نفسها اليوم أمام واقع لا يشبه أي مرحلة سابقة، واقع تداخلت فيه الأجندات وتفككت فيه الهياكل، حتى باتت ملامح الدولة نفسها موضوعًا للمراجعة.
المشهد العام يكشف أن الصراع لم يعد متعلقًا بحدود جغرافية أو تنافس سياسي طبيعي، بل تحوّل إلى صراع بين مشروعين: مشروع يسعى لاحتكار السلطة بأي وسيلة، ومشروع آخر يحاول التمسك بما تبقّى من فكرة الدولة التي تحكمها قواعد، لا رغبات مجموعات تتحرك بلا ضوابط.
هذا التناقض هو أصل المأساة، وهو السبب المباشر في اتساع رقعة المعاناة التي يعيشها المواطن في كل مكان.
ومن يتأمل الواقع يلاحظ أن السلطة القائمة لم تُظهر أي استعداد لتصحيح مسارها أو إعادة النظر في الأساليب التي قادت إلى هذا الانهيار. فبدلًا من مراجعة الخطايا المتراكمة، مضت في تكريس نهج يقوم على خطاب القوة وتهميش العقل، مستندة إلى أدوات القمع أكثر من اعتمادها على أي رؤية سياسية. وهكذا وُلد فراغٌ كبير تُرك فيه الناس وحدهم يواجهون الفقر والنزوح والخوف، بينما تستمر الصراعات في أعلى الهرم بلا أفق وبلا مسؤولية.
المؤلم أن هذه الأزمة لم تعد محصورة في دوائر القرار، بل تسربت إلى المجتمع ذاته. فالتشظي الذي ضرب البلاد جعل كل مجموعة ترى نفسها خارج إطار الدولة، أو في مواجهة مباشرة معها. ووسط هذا التبعثر، غابت الإرادة الجامعة القادرة على فرض مسار واحد ينهي الفوضى ويفتح الطريق نحو انتقال سياسي حقيقي.
لكن رغم هذا السواد، فإن جذوة الأمل لم تنطفئ. فهناك قوى مدنية، شبابية ومجتمعية، ما زالت تقاوم فكرة الاستسلام، وتصرّ على أن السودان يستحق واقعًا مختلفًا. هذه القوى—برغم ضعف الإمكانات وضغط الظروف—تُعيد إلى الذاكرة أن بناء الدولة يبدأ من الناس، لا من البندقية، وأن المستقبل لا يُمنَح بل يُنتزع بالوعي والتنظيم والمثابرة.
إن الخروج من الأزمة يتطلب شجاعة في مواجهة الذات، وإرادة في تجاوز الحسابات الصغيرة، واستعدادًا حقيقيًا لبناء دولة تتأسس على القانون لا على موازين القوة المؤقتة. فالوطن ليس ساحة صراع دائم، بل مشروع حياة، ولن ينهض إلا حين يدرك الجميع أن السودان أكبر من كل طامح، وأهم من كل حساب ضيق.




