رأي

بابنوسة… حين تعود الروح وتنهض القميرة من تحت الركام

ابو عبدالله الراشدي

 

ابو عبدالله الراشدي 

لم يكن فجر بابنوسة الأخير فجرًا عاديًا، بل بدا كأنه ميلاد جديد لمدينة أرهقها القصف، وأنهكها التهجير، وأحاطت بها أسوار الخوف طيلة شهور من العصف الذي مارسه جيش الحركة الإسلاموية والمليشيات المتعاونة معه. اليوم، وبعد تحرير الفرقة 22، تتبدل ملامح المشهد كليًا، وتبدأ القميرة — كما نسميها نحن أهل بابنوسة — في لملمة شتاتها واستعادة أنفاسها.

كانت المدينة شبه خالية من سكانها، ليس خيارًا، بل قسرًا فرضه الطيران الذي تحكمت فيه جماعة الإخوان المسلمين، وبمشاركة سلاح الجو المصري الذي لم يتورع عن قصف المنازل والمستشفيات والأسواق. لقد حمل القصف رسائل الخراب وحده، وأجبر الأسر على النزوح بلا زاد ولا وجهة، وأحال شوارع كانت عامرة بالحياة إلى بقايا حجارة وغبار.

لكن ما إن انقشعت سحابة النار ورُفع عبء السيطرة القمعية عن المدينة، حتى بدأت أولى خطوات العودة تتشكل. رأينا العائلات تتجه نحو بابنوسة بخطوات ممزوجة بالخوف والفرح، ورأينا الشباب يتقدمون الصفوف حاملين آمالًا أكبر من تفاصيل الخراب التي خلّفتها الحرب. بدا المشهد وكأنه رد طبيعي من المدينة على من حاولوا إطفاء روحها؛ فبابنوسة لم تكن يومًا جدارًا يسهل هدمه، بل كانت دائمًا أرضًا تعرف كيف تعود إلى الحياة كلما حاول الظلام أن يبتلعها.

وفي ولاية غرب كردفان، تحولت مشاعر الناس إلى موجة احتفال صادقة، ليس فرحًا بالحرب، بل فرحًا بالنجاة، وبأن بابنوسة ستعود كما كانت: نقطة ضوء في قلب المنطقة، ومنارة للتعايش، وعنوانًا للكرامة والحرية. لقد كان التحرير بداية فصل جديد، فصل يفتح الباب أمام إعادة الإعمار، وانتعاش الأسواق، وعودة المدارس، وترميم البيوت التي سقطت جدرانها وبقيت أرواح أهلها معلقة بها تنتظر لحظة العودة.

القميرة الآن تشرق من جديد، وتتخلص من رماد القصف وأيام الشدة، وتستعيد صوتها وروحها وهويتها. هي لا تعود لأن الحرب انتهت فحسب، بل لأنها مدينة تعرف قدرها جيدًا، وتعرف أن أبناءها لا يسمحون للظلام أن يطول أكثر مما ينبغي. هذا هو زمن بابنوسة الجديد… زمن تستعيد فيه المدينة دورها الطبيعي، وتكتب فيه تاريخها بأيدي أهلها، لا بأيدي من حاولوا إسكاتها.

بابنوسة… مدينة تعود لأنها تستحق أن تعود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!