
أحمد باتيه
في اللحظة التي يتصاعد فيها غبار الحرب فوق السودان تخرج سلطة بورتسودان بخطابٍ تحريضي أشبه بصرخة تبحث عن شرعية في الفراغ. خطاب يلون الحقائق كما يشاء ويغزل حول نفسه أسطورة عن جيشٍ بلا إسلاميين بينما يعرف كل سوداني أن العمق الذي نخر به هذا الجيش هو ذات العمق الذي زرعته الحركة الإسلامية في كل مفصل منه حتى صار العصب واحداً والرؤية واحدة، والمصلحة واحدة.
إن مواجهة هذا الخطاب ليست معركة سياسية فحسب بل هي معركة وعي صراع بين شعبٍ يريد أن يكتب مصيره بيده، وسلطة تصر على أن الماضي وحده قادر على الحكم، وأن المدنيين لا مكان لهم في مستقبل البلد. تهديداتهم للناس بأن السلطة العسكرية قدر محتوم، وأن المدنيين مجرّد متفرجين، يكشف خوفهم العميق من أن شعباً استيقظ لا يمكن إعادته إلى النوم مرة أخرى.
فكما قال أحد الحكماء: ليس الخطر في الطغيان ذاته بل في الوهم الذي يصنعه الطغاة حول أنفسهم. وهنا يكمن جوهر الأزمة. فآلات الخطاب الرسمي تحاول إقناعنا بأن الحاكم العسكري حامي الوطن، بينما الدم الذي يسيل في الطرقات هو دم المدنيين وأن الأعداء هم أبناء المدن، بينما من دمر المدن هم من يتمسكون بالسلطة.
إن منطقهم يشبه ما كتبه كبار الأدباء عن الاستبداد:
– يلوون الزمن كما لو كان ملكاً لهم
– *يبررون الخراب بلسان من يدعي الفضيلة*
– ويرفعون راية الحماية فيما هم أول من ينهش جسد الدولة
لقد خرب الإسلاميون السلطة قبل أن يحموا الإنسان. جعلوا الوطن نهباً لخياراتهم وحولوا الجيش من مؤسسة وطنية إلى ظل يعكس مصالحهم وبعد كل هذا يقفون أمام الناس بجرأة مدهشة ينفون فيها ما يعرفه كل طفل.
لكن الحقيقة لا تهزم.
ومهما تزيّنت الأكاذيب ستبقى كلمات الشعب أشد صلابة من تهديداتهم.
ومهما حاولوا أن يغلقوا باب المستقبل أمام المدنيين سيأتي يومٌ يكتب فيه الدستور بيد الشعب لا بيد من يقتاتون على خوفه.
السودان اليوم أمام منعطفٍ تاريخي:
إما أن نسمح للخطاب التحريضي أن يسرق الحاضر، أو نقف وقفةً واثقة نعلن فيها أن البلاد لن يحكمها من يبرر قتل الناس ولن يقرر مصيرها من ينكر حقيقة زرعها بيده.
فالبلد التي صمدت في وجه الاستبداد عقوداً لا تهزم بصوتٍ صاخب ولا تخضع لخطابٍ مفلس.
الوعي أقوى من السلاح والشعب أوسع من كل سلطات الطوارئ.




