قاعدة على حافة العاصفة: الصفقة الروسية… ورهانات البرهان للهروب من الهزيمة
لواء ركن د. مهدي الأمين كبّة آدم

لواء ركن د. مهدي الأمين كبّة آدم
ليس أخطر على الأوطان من قادةٍ يرون في الحرب خلاصاً، وفي السلام خصماً.
في ظلّ حالة الانكسار المتتابع التي مُنيت بها القوات المسلحة أمام قوات الدعم السريع (RSF) وقوات حكومة التأسيس في جبهات الصراع السوداني، ومع تصاعد الخسائر البشرية والمادية وانهيار منظومات عسكرية بأكملها، اتجهت قيادة الجيش بقيادة البرهان إلى خيارٍ خطير: إعادة إحياء الصفقة الروسية لإنشاء قاعدة على البحر الأحمر مقابل صفقة أسلحة هجومية ودفاعية ضخمة.
هذا التوجه لم يأتِ استجابةً لمتطلبات الأمن الوطني أو لحماية البلاد من الانزلاق، بل جاء كما تُظهر المعطيات هرباً من استحقاقات السلام التي تدفع بها السعودية والولايات المتحدة والرباعية الدولية عبر خارطة طريق سياسية–عسكرية–إنسانية، رفضها البرهان وحلفاؤه من التيار الإسلامي والمجموعات التي ما زالت تراهن على إعادة إنتاج دولة ما قبل الثورة.
أولاً: لماذا الآن؟ حسابات الهزيمة ومحاولة قلب الطاولة
منذ اندلاع الحرب، فقدت القوات المسلحة قدراً كبيراً من قدراتها وعتادها، واستولت قوات الدعم السريع على نسبة معتبرة من مخازن الذخائر والآليات والمقار العسكرية. ومع كل هزيمة جديدة، ازداد الضغط السياسي والعسكري على قيادة الجيش.
وبدلاً من اللجوء إلى المسار التفاوضي واغتنام لحظة الإجماع الإقليمي على وقف الحرب، لجأ البرهان إلى خيار شراء المزيد من الحرب.
استعادة ملف القاعدة الروسية، الذي جُمّد في عهد حكومة د. عبد الله حمدوك، يكشف محاولة لتغيير ميزان القوى عبر:
1. تعويض النقص في السلاح والعتاد الذي فُقد في الأشهر الأولى للحرب.
2. الحصول على تفوّق جوي يسمح بضرب تجمعات قوات الدعم السريع.
3. استنزاف الخصم عسكرياً لإجباره على التراجع سياسياً.
هذه الخطوات ليست جديدة، فقد تم التلميح إليها مراراً في تصريحات البرهان والعطا وكباشي، إضافة إلى خطاب سياسي واضح داخل الحركة الإسلامية يدفع باتجاه توسيع الحرب ورفض أي مسار تفاوضي.
ثانياً: الأبعاد السياسية والدبلوماسية… وتدويل الصراع
الصفقة تحمل بُعداً سياسياً لا يقل خطورة عن بعدها العسكري.
فالقيادة العسكرية تتعمد إدخال روسيا ــ بشكل مباشر وصريح ــ في الحرب السودانية، وذلك لخلق انقسام دولي يعطّل جهود السلام التي تقودها واشنطن والرياض.
الرهان هنا يقوم على:
حشد دعم روسي يعادل الدعم الدولي والإقليمي لقوات التأسيس وRSF.
الحصول على اعتراف خارجي بقيادة الجيش كسلطة أمر واقع.
إثارة مخاوف إقليمية، خصوصاً لدى مصر وإثيوبيا، بما يعيد الاصطفافات القديمة.
لكن الثمن الحقيقي لهذا الخيار يكون دائماً على حساب الشعب السوداني: إطالة أمد الحرب، تعميق الأزمة الإنسانية، إضعاف الاقتصاد، وتوسيع رقعة الدمار.
ثالثاً: ماذا تريد روسيا؟
لا تتحرك موسكو بدافع عاطفي ولا بدافع دعم حليف جديد.
روسيا تسعى إلى:
كسر العزلة الدولية المفروضة عليها بسبب الحرب في أوكرانيا.
توسيع نفوذها على البحر الأحمر في مواجهة الغرب والصين.
الوصول إلى الذهب واليورانيوم السوداني.
تثبيت موطئ قدم إستراتيجي في واحدة من أهم نقاط العالم الجيوسياسية.
وبالتالي، فإن دخولها على خط الحرب السودانية سيحوّل البلاد إلى ساحة صراع دولي بالوكالة، وهو السيناريو الأخطر الذي يهدد وحدة الدولة واستقرار الإقليم بأسره.
رابعاً: التداعيات المحتملة… وما يجب فعله
إن المضي في هذه الصفقة يعني:
تأجيل أي عملية سلام.
تعميق الكارثة الإنسانية.
زيادة الانقسام الدولي والإقليمي.
تقويض سيادة السودان لصالح نفوذ أجنبي جديد.
تحويل البحر الأحمر إلى ساحة تنافس عسكري بين قوى عظمى.
لذلك، فإن الواجب الوطني والأمني والأخلاقي يحتم على قوات الدعم السريع وحكومة التأسيس التحرك عبر كل القنوات الدولية والإقليمية والدبلوماسية لـ إبطال الصفقة وفضح آثارها الخطيرة على مستقبل السودان، وكسب الوقت ميدانياً وسياسياً لمنع إدخال البلاد في دوامة نزاع دولي طويل.
الخلاصة
إن صفقة القاعدة الروسية ليست مشروع دفاع عن السيادة كما يروج له البرهان، بل رهان خطير على حساب البلاد، وعودة كاملة إلى منطق النظام القديم الذي باع موارد السودان مقابل البقاء في السلطة.
وإذا مضت الصفقة إلى نهاياتها، فإن السودان لن يخرج منها إلا أكثر تمزقاً، وأكثر فقراً، وأكثر خضوعاً لمعادلات غيره.
الأوطان تُبنى بالتوافق… لا بالارتماء في أحضان القوى الخارجية.




