
نجم الدين دريسة
ليس في تاريخ السودان الحديث قصة أثقل ظلًا ولا أشد إيلامًا من قصة الجارة التي لم تكن يومًا جارًا عاديًا، بل دولة ظلت تتعامل مع السودان كإقطاعية ملحقة بها، لا يحق لها أن تستقل بقرار أو تنهض بمؤسسات أو تتنفس ديمقراطية دون إذنٍ مكتوب أو موافقة غير معلنة. وما من أزمة كبرى ضربت البلاد منذ فجر استقلالها إلا ولم نجد خيطًا مصريًا يمر في نسيجها، خيطًا تفاخر به القاهرة حين تظن أنه يحقق مصالحها، ثم تنكره حين تنكشف أثمانه الكارثية على السودان.
منذ تشكّل المؤسسة العسكرية في حقبة قوة دفاع السودان، صُممت طبيعتها وعقيدتها لخدمة مشروع يتجاوز الحدود، مشروع يجعل من الجيش السوداني امتدادًا لنفوذ مصر، لا مؤسسة وطنية صافية الانتماء. هذه الحقيقة لم تتغير، بل ترسخت عميقًا رغم تبدّل الأنظمة والحكام. ظلّت القاهرة تزرع نفوذها في مفاصل الجيش، تصعد رجالها، وتستبعد من لا يخدم أجندتها. والنتيجة أن الجيش — الذي كان يفترض به أن يكون حارسًا للبلاد — تحول إلى مخلب قطّ تستخدمه مصر حين تشاء، في اللحظة التي ترى فيها أن مصالحها تتعرض للخطر.
هذا الإرث الثقيل ظل يطلّ برأسه في كل منعطف تاريخي، حتى صار من الطبيعي أن ترتبط أخطر الأحداث السودانية بزيارات خاطفة إلى القاهرة، أو اتصالات غامضة مع مؤسساتها الأمنية. وما جرى قبيل انقلاب 25 أكتوبر 2021م كان مثالًا فاضحًا على هذا النمط: زيارة، فتعليمات، ثم انقلاب. انقضاض كامل على مسار الانتقال المدني، وتفكيك متعمد للإرادة الشعبية التي خرجت من رحم ثورة عظيمة هزت وجدان العالم. كان المشهد كأنه إعادة إنتاج لذات العقلية القديمة: لا ديمقراطية في السودان إن كانت تهدد امتيازات الجارة الكبرى.
ومع اندلاع حرب 15 أبريل 2023م اتضح حجم التدخل المصري بدرجة جعلت الحياد المزعوم مجرد أسطورة. ظهرت الانحيازات جهارًا، وبرز الدعم العسكري بلا مواربة، وتموضعت القاهرة سياسيًا وإعلاميًا في الطرف الذي يخدم رؤيتها التقليدية: دعم النظام العسكري مهما كان الثمن، ومنع أي إمكانية لقيام سلطة مدنية مستقلة. لم يكن ذلك موقفًا عابرًا، بل امتدادًا لمنهج طويل يرى أن السودان يجب أن يبقى ضعيفًا وممزقًا وخائفًا حتى لا يفكر مجرد تفكير في أن يصبح دولة ذات اعتبار.
ولم يكن هذا جديدًا. فالقاهرة لم تتورع يومًا عن استخدام القوة المباشرة داخل السودان. ضربت الطيران المصري الجزيرة أبا وودنوباوي في حقبة مضت دعماً لنظام عسكري، لتصبح أول دولة عربية تقصف شعب دولة أخرى حمايةً لسلطة صديقة. وهذا وحده يكفي ليقول إن مصر لم تنظر يومًا للسودانيين كشعب ذي سيادة، بل كملف أمني يجب التحكم في مساراته.
وعلى مدى العقود، صنعت مصر شبكات ولاء داخل الطبقتين العسكرية والمدنية، وصارت مركزًا لإيواء النخب التي تستخدمها لتعطيل كل محاولة لبناء حكم مدني، وتوجيه مسار الثورات، وتفكيك أي جبهة وطنية تحاول إخراج السودان من دائرة الهيمنة. بل إن الغرف الإعلامية التابعة للنظام المصري أصبحت منشآت يومية لتضليل الرأي العام السوداني وتشويه القوى المدنية وزرع الانقسامات وبث اليأس في صفوف الشعب.
كما أن استغلال مصر للموارد السودانية لم يكن أقل فجاجة. من شراء السلع الأساسية بالعملة المحلية، إلى السيطرة الواسعة على تجارة اللحوم والذهب، إلى اتفاقيات مياه النيل المجحفة التي جعلت السودان أسيراً لقوانين لم يكن طرفًا فاعلًا في صياغتها. لم تتعامل مصر يومًا مع السودان كشريك، بل كخزان موارد يجب أن يبقى مفتوحًا ورخيصًا ومطيعًا.
غير أن التحولات الأخيرة في بابنوسة شكلت قمة جبل الجليد. فظهور أسلحة مصرية الصنع داخل ساحة حرب داخلية ليس تفصيلًا بسيطًا، بل دليلًا قاطعًا على أن القاهرة دخلت في عمق الصراع، وأنها طرف مباشر في إشعال الحرب وتمديدها. وهذه الحقيقة وحدها كافية لتجعل مصر غير مؤهلة — أخلاقيًا وسياسيًا — للعب أي دور وسيط في الأزمة السودانية، مهما تجمّل خطابها الدبلوماسي بادعاءات الحياد.
إن ما يربط مصر بالسودان ليس مصالح مشتركة، بل شبكة مصالح غير متكافئة تتحكم فيها القاهرة بقبضة حديدية، وتديرها عبر وكلاء مدنيين وعسكريين ظلوا — عبر السنين — يقدمون الخدمات المطلوبة دون أن يسألوا عن الثمن الذي يدفعه الشعب السوداني. ولذلك لم يكن غريبًا أن تتكرر المآسي، وأن تتعاقب الانقلابات، وأن تُجهض الثورات، وأن ننتقل من أزمة إلى أخرى بينما الخيط المصري ثابت لا يتغير.
إن الجارة التي تفوق سوء الظن العريض ليست مجرد جملة توصيفية؛ إنها خلاصة تاريخ كامل من التدخلات، والهيمنة، وشراء النخب، وصناعة الأزمات، والتحكم في الجيش، وقمع الثورات، وتمزيق وحدة السودانيين كلما اقتربوا من مشروع وطني جامع. لقد أثبتت الوقائع الممتدة من سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم — مرورًا بأحداث أبا ونميري، مرورًا بانقلاب 25 أكتوبر، ووصولًا إلى حرب 15 أبريل — أن مصر ليست مراقبًا ولا صديقًا متعاطفًا، بل طرفًا أساسيًا في صناعة المأساة السودانية.
وإذا كان السودانيون اليوم يعيشون لحظة وعي فارقة، فإن أهم ما يجب أن يخرجوا به هو إدراك حجم هذا الدور، وضرورة التحرر منه، وعدم السماح له بأن يكون حجر العثرة الدائم أمام بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي حلمت بها الأجيال. فالسودان لن ينهض ما لم يتحرر من الهيمنة المصرية، ويستعيد استقلال قراره الوطني، ويُغلق الباب الذي دخلت منه كل الشرور.
ومصر بكل تاريخها وأفعالها ستظل الجارة التي تفوق سوء الظن العريض… ما لم تتغير قواعد اللعبة، ويُعاد ضبط علاقة البلدين على أساس الاحترام والسيادة والندية. أما ما عدا ذلك، فهو استمرارٌ لذات الكارثة التي يدفع السودان ثمنها حتى اليوم.




