
حامد نحوله
الاعتراف بالهزيمة أو الخسارة، يُمثّل حالة متقدمة من البنية الفكرية والنفسية لدى المجتمعات والشعوب المتحضرة التي أدركت وأيقنت أن أفضل طريقة للتعامل مع الهزيمة أو الخسارة، هو الاعتراف والإقرار بها واعتبارها حدثاً طبيعياً واعتيادياً، بل وقد يكون ضرورياً وصحياً في كثير من الأحيان في هذه الحياة التي تُعدّ مختبراً حقيقياً لثقافة وسلوك البشر، خاصة في كيفية تعاملهم وردات فعلهم تجاه الأحداث والمواقف التي يتعرضون لها.
الانتصار مهما كان كبيراً لابد أن يباغته الفشل و الهزيمة ، والثبات دون تجدد مهما استمر فمصيره السقوط، والفوز وإن كان مدوياً فلن يُفلت من الخسارة يوماً، تلك طبيعة الحياة وسنة القدر. والهزيمة مهما كانت، ليست نهاية الحياة، بل هي مجرد نكسة أو تراجع، بل وقد تكون بمثابة الوقود الذي سيُعيد إشعال فتيل الحماس والتحدي، لتعديل المسار والاتجاه والهروب من دائرة الإخفاق والفشل. الهزيمة جزء أصيل في حياتنا، تماماً كما هو الفوز، كلاهما كذلك، وحياتنا تتأرجح بينهما باستمرار، وقد تكون الغلبة لأحدهما على الآخر، ولكن الأمر لن يستمر كذلك، خاصة حينما نعرف ونُحلل أسباب ذلك النصر أو تلك الهزيمة.
إن ثقافة تقبل الهزيمة والاعتراف بالخسارة، من الفنون والمهارات، بل ومن الثقافات والملكات الفردية والجماعية، ولكنها تحتاج إلى عقول وقلوب تعي جيداً ضرورة وقيمة الاعتراف بالفشل، وعدم إلقاء اللوم والعتب على الخصوم والمنافسين أو التذرع بالمؤامرة والتقصّد، تلك هي الطريقة المثلى لإدارة الحياة بفن وشفافية، ومعالجة الأخطاء والقصور بمحاسبة دقيقة للنفس وممارسة النقد الذاتي بتجرّد خاصة عندما تواجههك وسائل الاعلام المختلفة لمعرفة الحقيقة علي الارض دون تزيف الحقائق .
الخسائر والهزائم في حياتنا، أمر لابد منه في حياتنا، فهي أشبه بالأمواج العاتية أو الأعاصير الشديدة، والتي تتطلب منا الثبات والصمود، لا أن نندب أنفسنا أو نتهم الآخر. العودة للبر بعد عاصفة هوجاء في عرض البحر، ثقافة لا يمتلكها إلا الأقوياء المؤمنون بقدراتهم وإمكاناتهم، لا أولئك المحبطون الغارقون في ترحيل المشاكل والتحديات للآخرين.
إن ثقافة الاعتراف بالهزيمة، قد تكون أقوى من ثقافة الانتصار، لأنها التجربة المريرة التي تؤمن بضرورة العودة والتدارك لجادة الفوز والنجاح، ولأنها ذاقت مرارة الهزيمة والخيبة، ولأنها بكل بساطة لا تُريد أن تسقط مرة أخرى في فخ الهزيمة في الاعلام المباشر كما فعل جيش الحركة الاسلامية الارهابية في بابنوسة بالأمس واليوم عدم الاعتراف بالهزيمة وتخيلوها على أنها انتصار عاهة إضافية يتفرد بها العديد من قياداتهم والساساتهم، وهي تعكس الخلل النفسي والعقلي والفكري لابواقهم الذين يصورون الإخفاق وكأنه انتصار. بالإضافة إلى أن عدم الإقرار بالهزيمة في بابنوسة وتقديمها بشتى الوسائل المتاحة على أنها انتصار تعتبر جريمة أخرى بحق الجماعة الارهابية التي ابتليت بمغامرات غلاة الشعبويين من القادة وتداعياتهم وهي تضاف إلى جريمة الهزيمة نفسها..و هذا المرض النفسي والعقلي مركب ومعقد للغاية، لأن أعراضه مركبة وشديدة التعقيد والتداخل والتشابك، كما يشير إلى ذلك أيضا علم النفس السياسي. فالأعراض التي يعاني منها الزعيم المصاب بهذا الداء لا تقتصر فقط على عدم الاعتراف بالهزيمة التي يمنى بها وتكتوي بتداعياتها المجموعة البشرية التي يمثلها ويورطها عنوة في دائرة الصراعات الخاصة وليست العامة، وإنما أيضا في الاستبسال بتصوير الهزيمة وكأنها نصر وفتح. وبالتالي، المساهمة في تزييف الواقع والتاريخ معا. وهذا بدوره لا يساعد على تشخيص أمراض الواقع ومنها الهزائم وتصويرها كانتصارات. وكنتيجة لا يساعد على إيجاد العلاج المناسب لتلك الأمراض. وهذا ما يساهم في تأخير الصحوة والمصارحة والمصالحة مع الذات ومع الآخر والاعتراف والإحساس بحجم الذات الحقيقية والملموسة ودورها وليست الذات الموهومة.




