
أبو عبدالله الراشدي
الكراهية ليست طارئًا على التجربة السودانية، ولا مجرد انفعالٍ ينفجر حين تتصاعد التوترات. إنها طبقةٌ من الرواسب المتراكمة في الوعي الجمعي، تشكّلت عبر قرونٍ من الصراع على الموارد والسلطة والرمزية الثقافية، حتى باتت جزءًا من لغة الحياة اليومية. وما يجعلها أكثر خطورة أنها تُمارس في الغالب بلا وعي؛ كأنها فعلٌ تلقائي يحتمي به الفرد من هشاشته الداخلية. وقد قيل: «أخطر ما في الكراهية أنها تُلبس نفسها ثوب الفضيلة». وهكذا تحوّلت في السودان من حالة انفعال إلى منظومةٍ فكريةٍ تُنتج الخوف وتعيد تدوير العنف.
في جوهر الأزمة أن المجتمع لم يحسم تعريفه لنفسه؛ إذ ظلَّ يتأرجح بين هوياتٍ متداخلة، لا يجد في أيٍّ منها مأوى كاملاً. هذا التذبذب لم يدفعه إلى المصالحة مع تنوعه، بل جعله يبحث عن “آخر” يلقي عليه ظلال حيرته. فبدلًا من أن تكون التعددية مصدرَ ثراء، أصبحت وقودًا لخطابٍ يضع الفئات في مواجهة بعضها. فالوعي المتشظي لا يرى نفسه إلا حين يضع نقيضًا أمامه. ومن هنا جاء ذلك المزيج من الاستعلاء والخوف، الذي أفرز لغة قاسية تجعل المواطن خصمًا لأخيه قبل أن يكون شريكًا له في الوطن.
وليس غريبًا أن تتفاقم الكراهية في مجتمعٍ لم تُبنَ فيه دولةٌ حديثة تستوعب الجميع. فقد وُلدت السلطة على قاعدة ضيقة، لا تحتمل إلا من يشبهها في الثقافة والرؤية والانتماء. والنتيجة أن فئات واسعة شعرت بأن وجودها ذاته معلّق بشرعية المركز. ولأن السلطة لم تُقدّم مشروعًا جامعًا، بل نظامًا يقوم على الامتيازات، فقد أصبح الانتماء الوطني هشًّا. وحين يضعف الانتماء، تتكاثر الولاءات البديلة: قبيلة، وجهة، وطائفة، وذكريات من مظالمٍ متوارثة. وفي ظل هذه البنى، تنتعش لغة الكراهية لأنها تمنح كل جماعة وهمَ التفوق، وتخلق لها سرديةً تبرّر رفض الآخر.
لقد مرّ السودان بصراعات كثيرة كان يمكن أن تبقى خلافاتٍ اجتماعية قابلةً للاحتواء لو وُجدت دولةٌ عادلة تقف على مسافة واحدة من الجميع. لكن ما حدث كان عكس ذلك؛ إذ اختلط الصراع السياسي بالصراع الثقافي، وتغذّى الاثنان على ذاكرةٍ ملغومة بالتمييز والإقصاء. فلم تعد المشكلة في الخلافات الطبيعية بين المجموعات، بل في تحويل تلك الخلافات إلى أداة تعبئة، وإلى ذريعة للفرز والعداء. وهو ما يجعل الكراهية هنا ليست “خطأً بشريًا” عابرًا، بل بنيةً إنتاجية تتدخل فيها التربية والإعلام والمؤسسات، فيتوارثها الناس كما يتوارثون الأمثال الشعبية.
وعندما يتأمل المرء جذور هذه الأزمة، يكتشف أن الكراهية في السودان لم تنشأ من فراغٍ ثقافي، بل من فراغٍ سياسي. فغياب مشروع وطني متوافق عليه جعل كل جماعة تُعرّف الوطن وفق تصورها الخاص، وتراه مهددًا كلما تمدّد الآخر في المساحة العامة. ولعلّ أصدق ما يُقال في هذا السياق قول الحكيم: «حين يضيق الأفق تضيق قلوب الناس». لقد ضاق الأفق الوطني فلم يعد قادرًا على احتواء التعدد، فتمددت الكراهية لتملأ هذا الفراغ.
وفي قلب هذه الإشكالية يقف مفهوم الهوية نفسه. فالمجتمع السوداني لا يزال في حوارٍ صعب مع مزيجه الثقافي، الذي طالما اعتبره مصدرًا للقلق أكثر من كونه مصدر قوة. وهنا يظهر تناقضٌ مؤلم: فبينما تتعايش العناصر الثقافية في الحياة اليومية بانسيابٍ طبيعي، تتحول في الخطاب العام إلى حدودٍ فاصلة تُستخدم للتمييز والتصنيف. وما يزيد الطين بلة أن الأنظمة المتعاقبة كثيرًا ما استغلت هذه الحدود، فحوّلت التنوع إلى مادةٍ سياسية، والخلاف إلى خندقٍ نفسي. وهكذا أصبح خطاب الكراهية جزءًا من معمار السلطة، يطلّ برأسه في الأزمات، ويتوارى حين تتحقق مصالح من يوجهونه.
ولأن خطاب الكراهية يقوم في جوهره على الخوف، فإنّه يتغذّى على لحظات الاضطراب. فكلما ضعف القانون، زادت الحاجة إلى “انتماء” يحمي الفرد، ولو كان ذلك الانتماء زائفًا أو ضيقًا. وهكذا يتنامى الإحساس بأن الآخر تهديد، وأن الاقتراب منه مخاطرة. ويغدو المجتمع أشبه بحقل ألغام، يخشى أفراده التواصل خارج محيطهم المحدود. وقد قال أحد الحكماء: «الخوف إذا استقر في القلوب جعل الناس يصنعون أعداءً أكثر مما يصنعون أصدقاء». وهذا ما حدث حين أصبح الخوف من الاختلاف يغذي العداء، ويجعل الكراهية تبدو، في نظر البعض، ضرورةً للبقاء.
ولا يقلّ دور اللغة خطورةً عن دور السياسة. فاللغة ليست وسيلةً محايدة؛ إنها إطارٌ يصوغ الإدراك ويمنح الأشياء معناها. ومتى تلوثت اللغة بالكراهية، تلوث الوعي نفسه. فقد أُنتجت في السودان مفرداتٌ تحمل بصمة التحيّز والغرض، لا تصف الواقع بقدر ما تُدجّنه وتوجّهه. فبعض الكلمات تُستخدم لتكبير جماعةٍ وتقزيم أخرى، وبعضها لتصوير مناطق بأكملها كعبء، أو لتصوير ثقافات معينة كـ“شذوذ”. ومع مرور الزمن، تتحول اللغة إلى قيدٍ على التفكير، وإلى عدسة تفرض على الناس رؤيةً مشوهة للآخر. وما يفاقم الأمر أن هذه المفردات تُتداول دون وعي، حتى بين الذين يرفضون الكراهية أصلًا.
لكن أخطر ما في خطاب الكراهية أنه يبدأ من الذات قبل الآخر. فالفرد الذي لم يتصالح مع ماضيه وثقافته وطبقته الاجتماعية وموقعه في الدولة، لن يقوى على قبول غيره. إن الكراهية هنا ليست فعل رفضٍ للآخر، بل فعل رفضٍ للنفس يُسقطه الإنسان على غيره كي يهرب من مواجهة أسئلته. وقد عبّر حكيمٌ آخر عن هذه الحقيقة بقوله: «لا يكره الإنسان غيره إلا حين يعجز عن مصالحة نفسه». وهكذا يصبح الصراع الاجتماعي انعكاسًا لصراعاتٍ فردية لم تجد من يحتضنها أو يوجّهها نحو المعرفة.
ورغم قتامة المشهد، فإن تجاوزه ليس مستحيلاً. فالمجتمع قادر على ترميم نفسه حين يمتلك الشجاعة للنظر في مرآته دون خوف. وأول طريق العلاج هو الاعتراف بأن الكراهية ليست قدرًا محتومًا، بل اختيارٌ جرى تكريسه عبر التعليم والإعلام والسياسة. والاختيارات يمكن إعادة النظر فيها. كما أن التاريخ يثبت أن الشعوب التي خرجت من دوائر الكراهية لم تفعل ذلك بالوعظ الأخلاقي، بل بإعادة بناء مؤسساتها، وصياغة عقدٍ اجتماعي يضمن العدالة، ويمنح الجميع إحساسًا متساويًا بالانتماء. فحين يشعر المواطن أن الدولة تعبّر عنه، لا يحتاج إلى حماية القبيلة ولا إلى لغة الاستعلاء.
إن المجتمع بحاجة ملحّة لتربيةٍ تنقد التصورات السائدة بدلًا من أن تكررها، وإعلامٍ يدرك أن الكلمة يمكن أن تبني كما يمكن أن تدمّر، ومناهج تعليمية تعتبر التعدد أصلًا لا استثناء. كما يحتاج إلى أن يتعلم كيف يحوّل ذاكرته المؤلمة إلى درسٍ لا إلى لعنة، وكيف ينظر للتنوع بوصفه مكسبًا لا تهديدًا. فالبلاد التي تتسع للجميع تتسع لأخطائها أيضًا، وتستطيع إعادة صياغة نفسها بعيدًا عن الانقسامات التي تُستغل في لحظات الفراغ السياسي.
في نهاية المطاف، ليست الكراهية في السودان مشكلة “آخر” يجب استبعاده، بل مشكلة “ذات” تحتاج إلى إعادة البناء. ولا سبيل لتجاوز الأزمة إلا بإعادة تعريف الوطنية بحيث تُصبح مظلةً تحمي الجميع. فالوطن ليس شعارًا ولا جغرافيا؛ إنه عقد ثقة بين الناس. وحين يستعيد المجتمع ثقته بذاته، تتلاشى الحاجة للكراهية تلقائيًا. فكما قيل: «السلام لا يصنعه الأقوياء على الأرض، بل الأقوياء في نفوسهم». هذه القوة الداخلية هي ما يحتاجه السودان اليوم كي يخرج من دوائر الشك والخوف، ويخطو نحو مستقبلٍ لا تكون فيه الكراهية مرآته الوحيدة، بل تاريخه الذي تجاوزه بإرادةٍ حرة ووعيٍ جديد.




