رأي

السودان بين الذاكرة الجريحة وحلم الدولة العادلة

عبد الرحمن أبو رندة. بنسلفانيا

 

عبد الرحمن أبو رندة.. بنسلفانيا 

يعيش السودان اليوم في مفترق تاريخي يختبر فيه قدرته على تجاوز إرثٍ طويل من الأزمات السياسية والبنائية. فالأزمة السودانية ليست حدثًا ظرفيًا، ولا نتيجة ظرف سياسي عابر، بل هي تراكمات دولة وُلِدت ناقصة، وتطورت في مسارٍ أعاق نموها بدل أن يدعمه. فمنذ اللحظات الأولى للاستقلال، ظل السؤال المركزي مطروحًا دون إجابة: كيف تُبنى دولة عادلة في بلد تتقاطع فيه الهويات، وتتجاذبه الولاءات، وتتنازعه الرؤى المتناقضة لطبيعة السلطة؟

إنّ المعضلة الأولى تكمن في طبيعة المؤسسة العسكرية التي ورثت تركيبة استعمارية جعلتها فوق الدولة بدل أن تكون أداة لحمايتها. فقد تكرّس في وعي الجيش — عبر عقود — أنه الوصي على البلاد، وأن تدخّله ضرورة كلما تعثرت السياسة أو اختلفت القوى المدنية. لكن الحقيقة أن هذا التدخّل كان يُعيد إنتاج الأزمة، ويُعطّل إمكانية بناء مؤسسات مستقلة تحتكم للقانون لا للمراتب العسكرية. فدولةٌ يهيمن عليها العسكر لا يمكن أن تنضج فيها الحياة السياسية، ولا أن تزدهر فيها التعددية التي يقوم عليها أي مشروع وطني حقيقي.

أما الأحزاب السياسية، فلا تزال تعاني من خللٍ بنيوي واضح؛ فهي تكرر أزمات الماضي نفسها، وتتحرك ضمن إطار محدود من الولاءات المناطقية والطائفية. لم يُكتب لها أن تتحول إلى مؤسسات برامجية تحمل رؤية اقتصادية واجتماعية عميقة، ولم تستطع أن تصبح مدارس لإنتاج قيادات وطنية قادرة على تحمل مسؤولية الحكم. وهو ما جعلها، في كثيرٍ من اللحظات، جزءًا من المشكلة لا من الحل، إذ تنكفئ إلى صراعاتها الداخلية بدل أن تقدّم مشروعًا يوازي حجم التحديات التي تواجه البلاد.

وما بين جيش يفرض وصايته، وأحزاب عاجزة عن التحديث، ظل المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر. فالمجتمع الذي كان يمكن أن يكون ركيزة التحول، تم تفكيكه عبر عقود من سياسات الإقصاء، والتعبئة على أسس جهوية، وغياب مشروع جامع يضمن شعوره بالانتماء. وهكذا أصبح السودان بمساحته الهائلة وتنوعه البديع ساحة لصراعات صغيرة تُدار بعقلية ضيقة، بينما يضيع المشروع الأكبر للدولة الحديثة.

إن الخروج من هذا النفق يبدأ بتأسيس رؤية جديدة لوظيفة الدولة. فالدولة ليست ساحة للصراع على النفوذ، وليست أداة لحماية جماعة ضد أخرى، بل هي مظلة للجميع، تقوم على دستور عادل، ومؤسسات مستقلة، وحكمٍ رشيد يُعيد الاعتبار للإنسان وحقه في العيش الكريم. لا يمكن أن ينتصر السودان ما لم يُفصل الجيش عن السياسة، وما لم تتحول الأحزاب إلى منصات تفكير لا تنظيمات ولاء، وما لم تُبْنَ الثقة بين المواطن والمؤسسة العامة على أساس الشفافية والمحاسبة.

إن السودان يمتلك الإمكانات التي تخوّله أن يكون دولة قوية ومستقرة، لكن هذه الإمكانات لن تتحقق ما لم يُدرك السودانيون أن الزمن تغيّر، وأن تكرار وصفات الماضي لن ينتج سوى انهيارٍ جديد. إنها لحظة الوعي، لحظة إدراك أن بناء الدولة يبدأ من تغيير طريقة التفكير، ومن الاعتراف بأن البلاد تحتاج مشروعًا وطنيًا جامعًا يتجاوز الأجيال، ويستند إلى قيم العدالة والمساواة وسيادة القانون.

إن المستقبل السوداني ليس قدَرًا محتومًا، بل مسارٌ يُرسم بالإرادة، ويُصنع بالوعي، وتكتبه الشعوب حين تحدد معنى الدولة وحدود السلطة وطبيعة العقد الاجتماعي الذي تريده. السودان يستطيع أن ينهض، شرط أن يختار أبناؤه الطريق الصحيح: طريق الدولة لا السلطة، القانون لا البندقية، والمواطنة لا الولاءات. هذا هو التحدي، وهو أيضًا الأمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!