: 🔵 دار ديما تستعيد بوصلتها: تنصيب نجيب برلام دمنقاوياً يفتح صفحة جديدة في تاريخ الفور
صالح عيسي ارباب

صالح عيسي أرباب
إذا اجتمع الناس على كلمةٍ، انكسرت أمامهم الجبال.
في مشهد استعاد الهيبة القديمة وروح التوافق التي اشتهرت بها قبيلة الفور عبر القرون، أعلنت الهيئة العامة لوحدة الفور بإدارة دار ديما بولاية وسط دارفور، يوم السبت، تنصيب الشرتاي نجيب خميس برلام دمنقاوياً، بعد توافق نادر بين أعيان ورموز القبيلة، وانسجام اجتماعي أعاد للأذهان إرث السلاطين الأوائل وحكمتهم في جمع الصف وحراسة الأرض والناس.
هذا الإعلان لم يكن مجرد انتقال شكلي لمنصب تقليدي، بل بدا — في أعين كثيرين — أشبه بعودة الوعي وارتفاع راية الشورى من جديد، بعد سنوات تباينت فيها المواقف وأرهقت القبيلة من تداعيات الخلافات الداخلية. فالقرار جاء ثمرة مشاورات واسعة شملت كل مناطق ومحليات وسط دارفور، ما يعكس إرادة جماعية لبدء مرحلة جديدة تُعيد للإدارة الأهلية مكانتها الطبيعية في قيادة المجتمع وحماية قيمه وتماسكه.
وبمنح الثقة للشرتاي نجيب خميس برلام، تكون الهيئة العامة للفور قد طوت صفحة الدمنقاوي السابق، الدكتور التجاني سيسي محمد أتيم، الذي عُزل من منصبه بعد اتهامه بالانفراد بالقرارات المصيرية المتعلقة بشؤون القبيلة. وقد رأى كثير من الوجهاء أن العودة لمؤسسات الشورى هي الضامن الوحيد لسلامة القرار واستقامة المسار، وأن منصب الدمنقاوية لا يقوم إلا على قاعدة المشاركة والسمعة النظيفة والقدرة على جمع الكلمة.
الدمنقاوي الجديد، الذي أدى قسم الولاء أمام قيادات الفور، أكد في خطاب تنصيبه أن أولوياته ستتركز على ترميم النسيج الاجتماعي، توحيد الرؤية الداخلية، وتعزيز التعايش السلمي بين مكونات دار ديما، مشدداً على أن زمن الإقصاء واحتكار القرار قد ولّى. وتعهد بأن يكون منصبه جسراً للسلام والتفاهم، لا منصة للنفوذ أو التسلط، مؤكداً أنه سيتخذ من الشورى منهجاً ومبدأً وميزاناً.
وشدد رموز وأعيان القبيلة على أن الفور، بتاريخهم الضارب في عمق دارفور، يمتلكون مخزوناً حضارياً لا يُستهان به، وأن قبيلتهم كانت — ولا تزال — حاضنة راسخة لقيم الحكمة والاحترام والعدل. وأشاروا إلى أن الساعة قد حانت ليعود هذا الإرث إلى الواجهة، بعيداً عن صراعات السياسة التي نزعت كثيراً من قدسية الإدارة الأهلية في السنوات الماضية.
إن إعادة منصب الدمنقاوي إلى مساره المؤسسي، عبر توافق شامل، تمثل لحظة فارقة ليس لقبيلة الفور وحدها، بل لوسط دارفور بأكملها، خاصة في ظرف وطني ملتهب يحتاج إلى صوت العقلاء وتماسك المجتمعات المحلية.
ففي وقت تتشابك فيه التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، تبدو الخطوة رسالة واضحة مفادها أن دار ديما قادرة على أن تكون نموذجاً في إدارة الخلاف بالحكمة، وتغليب المصلحة العامة على الخصومات الصغيرة. إنها عودة للجوهر: حيث الكلمة تُجمع، والصف يُرتق، والقبيلة تنهض بوحدتها قبل رجالها.
“من صبر على الشورى، نال الحكم الرشيد.”
واليوم، تبدو قبيلة الفور وكأنها تعيد كتابة هذه المقولة على أرضها، معلنة أن المستقبل لا يُبنى بالانقسام، وإنما بالأيدي المتشابكة والعقول المتوافقة.
وهكذا، لا يُنظر لتنصيب نجيب خميس برلام بوصفه حدثاً بروتوكولياً، بل كسطر جديد في كتاب إدارة أهلية بدأت تستعيد مكانتها… ودار ديما، التي طالما كانت قلب الفور النابض، ربما تكون الآن على أبواب عصر أكثر إشراقاً.




