رأي

دبلوماسية بلا سند

سمية النور دهب ،، دبلن

 

سمية النور دهب ،، دبلن 

في لحظات الأزمات الكبرى، تُختبر جدوى السياسة بقدرتها على إنتاج حلول، لا بمجرد قدرتها على صناعة الخطاب. فالدبلوماسية، مهما بلغت مهارتها، لا تستطيع أن تكون بديلاً عن واقع سياسي متماسك، بل تظل انعكاساً له، ومقياساً لمدى اتزانه أو اختلاله.

ما جرى في التحركات الأخيرة داخل واشنطن يكشف هذا المعنى بوضوح. فبينما سعت سلطة بورتسودان إلى إعادة تقديم نفسها عبر قنوات الضغط السياسي، بدت الجهود وكأنها تتحرك في فضاء منفصل عن الأرض التي تنطلق منها. هناك، حيث تُبنى القرارات على تقديرات دقيقة ومعطيات متراكمة، لا تكفي اللقاءات ولا تنجح الرسائل وحدها في تغيير المواقف.

الإنفاق على شركات العلاقات الحكومية، رغم ما يحمله من دلالات على الرغبة في التأثير، يظل محدود الأثر حين يصطدم بوقائع لا يمكن تجاوزها. فالصورة التي تصل إلى صانع القرار ليست تلك التي تُصاغ في المكاتب، بل تلك التي تتشكل من مجمل الأحداث: مسار الحرب، تعقيدات المشهد السياسي، ومآلات الأزمة الإنسانية.

وفي هذا السياق، تبدو المفارقة صارخة. فمن جهة، تُبذل جهود لتليين المواقف الدولية، ومن جهة أخرى، تستمر السياسات الداخلية في إنتاج ما يناقض هذه الجهود. هذا التباين لا يضعف الخطاب الخارجي فحسب، بل يفقده مصداقيته، ويحوّل الدبلوماسية إلى نشاط بلا قاعدة صلبة.

الأمر لا يتعلق بضعف الأشخاص أو قلة الحراك، بل بطبيعة اللحظة السياسية نفسها. فالدبلوماسية لا تخلق الوقائع، بل تتعامل معها. وإذا كانت هذه الوقائع مأزومة، فإن أقصى ما يمكن تحقيقه هو إدارة الانطباع، لا تغيير الاتجاه.

وفي العادة، يدرك صانع القرار الدولي هذه الفجوة سريعاً. إذ لا تُقاس الشراكات المحتملة بما يُقال في الاجتماعات، بل بما يمكن تنفيذه على الأرض. ومن هنا، فإن أي محاولة لبناء ثقة خارجية دون معالجة جذور الأزمة في الداخل، تظل محاولة ناقصة، مهما بلغت كلفتها.

ثم إن السؤال الأعمق يظل قائماً: ما جدوى تحسين الصورة إذا كان الواقع نفسه بحاجة إلى إصلاح؟ فالدول لا تستعيد مكانتها عبر الخطاب، بل عبر قدرتها على استعادة التوازن الداخلي، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة التعدد والتحديات.

في المحصلة، تكشف هذه التجربة أن الدبلوماسية لا يمكن أن تكون طريقاً مختصراً لتجاوز الأزمات. فهي أداة ضرورية، لكنها تفقد معناها حين تُفصل عن سياقها الطبيعي.

ولذلك، فإن استعادة الفاعلية الخارجية تبدأ دائماً من الداخل. من لحظة الاعتراف بالمشكلة، ومن الشجاعة في معالجتها، لا من محاولة الالتفاف عليها.

فالعالم قد يستمع… لكنه لا يقتنع إلا بما يرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!