رأي

السودان تحت الرعب: الحرب كأداة للسلطة وفقدان أي شرعية

م. عدنان إبراهيم عيسي

 

م.عدنان إبراهيم عيسى

من يتوعد شعبه بالموت لا يمكن أن يطلب منه السلام، ولا يملك أي مشروعية أخلاقية أو سياسية للحديث عن حماية الوطن أو صون الدستور. هذا الواقع المؤلم يعكس ما يحدث في السودان اليوم، حيث تحولت الدولة إلى آلة قمعية تقودها قيادة القوات المسلحة، والتي لا تزال متأثرة بالمشروع القديم الذي يركز على التحكم بالقوة والسلطة بدل خدمة الشعب وحماية أرواح المدنيين.

الخطاب العسكري، الذي يقدمه قادة الجيش على أنه حماية للدولة، ليس إلا ستارًا لتبرير القصف العشوائي والإبادة المنظمة. المدارس والمستشفيات والأسواق والأحياء السكنية وحتى شبكات الكهرباء والمياه لم تسلم من الدمار، بينما استُهدفت الثروة الحيوانية والمزارع، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، مخلّفةً واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ السودان الحديث منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023.

ولم تقتصر الانتهاكات على القصف والتهجير، بل تجاوزت ذلك لتشمل الاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري للمدنيين والناشطين، والحصار على المدن ومنع وصول المساعدات الإنسانية، مما أدى إلى تفاقم المجاعة وتدهور الوضع الصحي. وفي الوقت نفسه، استُخدمت المنابر الرسمية للتحريض على الكراهية والعنصرية، مما أدى إلى تفكك النسيج الاجتماعي وخلق اصطفافات خطيرة داخل المجتمع.

من أخطر الانتهاكات التي وثقتها تقارير حقوقية ومصادر ميدانية، تجنيد المدنيين قسرًا والزج بهم في خطوط النار تحت شعار “الدفاع عن الدولة”، واستهداف المؤسسات الصحية والإغاثية التي يفترض أن تظل محايدة عن أي نشاط عسكري. هذه الممارسات تظهر أن الحرب لم تعد وسيلة للدفاع عن الوطن، بل أداة لاستمرار القادة في السلطة عبر صناعة بيئة من الرعب المستمر، تعميق الفوضى، وتحويل المدنيين إلى ضحايا يوميين.

إن إدارة السودان بهذه الطريقة تكشف غياب أي التزام بالقيم الأخلاقية أو القانونية، وتحويل الدولة إلى آلة للقمع والعسكرة. الحرب لم تعد “معركة وطنية”، بل وسيلة لإشباع طموحات السلطة والمحافظة على الهيمنة، في تجاهل تام لحقوق الإنسان وكرامة المواطنين.

الخروج من هذه الأزمة يتطلب تفكيك هذا النهج الدموي ومحاسبة كل من تورّط في الجرائم ضد المدنيين. لا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح ما لم يتوقف استخدام حياة المواطنين وأمنهم كأداة للحفاظ على السلطة. السودان يحتاج إلى دولة مؤسسات، تحترم الحقوق الإنسانية، وتحفظ كرامة المواطنين، وتضع المصالح الوطنية فوق كل اعتبار.

السلام لن يتحقق بالكلمات أو التهديدات، بل بالعدالة والمحاسبة وبالالتزام بمبادئ القانون وحقوق الإنسان. وكل من يسعى لتوظيف الحرب كأداة للهيمنة سيظل خاسرًا أمام إرادة الشعب السوداني الذي يرفض الرعب ويطالب بحياة كريمة ومستقبل آمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!