
نجم الدين دريسة
في قلب المشهد السوداني المعقد، حيث تتشابك السياسة مع الأزمة الإنسانية، برزت ظاهرة خطيرة: صناعة الأكاذيب والتحريف الإعلامي المنهجي الذي استهدف تشويه صورة قوات الدعم السريع. لم يعد الإعلام مجرد ناقل للحدث، بل تحول إلى أداة متقنة لإعادة صياغة الوقائع وفق أجندات مسبقة، وإنتاج سرديات جاهزة تُوظف لصالح مصالح سياسية وجهوية، مستندة إلى تحريف الأحداث واستغلالها لتأكيد صورة سلبية للقوات في مواجهة تحديات واقعية صعبة، وفي ظل ظروف إنسانية معقدة.
تجلى هذا بوضوح في ما شهدته الساحة في معسكر العفاض بالولاية الشمالية، حيث تم استجلاب مواطنين من ولايات مختلفة إلى المعسكر لأغراض إنسانية، لكن هذا الواقع أصبح مادة خصبة لحملات إعلامية منظمة، أبرزها ما قامت به ما يُعرف بـ”لجنة أطباء السودان”، التي ادعت متابعة الوضع داخل المعسكر وتوثيق انتهاكات مزعومة، بما في ذلك ادعاءات عن اغتصاب نساء أثناء النزوح. هذه الادعاءات، التي لم تُتحقق ميدانيًا، أعيد تدويرها عبر وسائل إعلامية محلية ودولية، مثل قناة الجزيرة وبعض المنصات التابعة لدول وكلاء الاستعمار، لتغذية سردية مسبقة تهدف إلى تشويه صورة الدعم السريع واستدرار التعاطف الدولي.
التحقيقات الميدانية في الفاشر والخرطوم والجزيرة أوضحت أن كثيرًا من هذه الادعاءات كانت مبالغًا فيها، وأحيانًا فبركات كاملة لا تمت للواقع بصلة. شهادات السكان المحليين أكدت أن التعامل اليومي للقوات كان إنسانيًا وحريصًا على حماية المدنيين وتأمين مناطق النزوح، في مقابل ما ارتكبته أطراف أخرى مرتبطة بالنظام السابق وجماعاته العقائدية من انتهاكات جسيمة، شملت القتل، التهجير، والتنكيل بالمدنيين، وامتدت أحيانًا إلى أعمال وحشية مروعة مثل الاعتداء على المدنيين بناءً على الهوية، والتنكيل بأجسادهم. “أخطر الأكاذيب ما يُقال بثقة، ثم يُصدّق لكثرة ترداده.”
المأساة تتضاعف حين يتم توظيف الإعلام ليس لنقل الحقيقة، بل لصناعة الرأي العام. فكل تقرير عن قوات الدعم السريع يُحرف ليصنع صورة أحادية، يستند إلى روايات مختلقة ومعلومات مضخمة، ويستثمر النزاعات الإنسانية لأغراض سياسية ضيقة. ولعل ما يزيد الأزمة تعقيدًا هو الدور الذي لعبته المنظمات الحقوقية عبر تقارير متحيزة أحيانًا، والتي أعطت لهذه الروايات المضللة صبغة رسمية، ما أسهم في تعزيز فكرة أن ما يُنشر يعكس الواقع، بينما الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. “الحقائق أحيانًا خفية بين السطور، بينما الأكاذيب تعيش بصوت عالٍ.”
وليس هذا مجرد تضليل إعلامي، بل محاولة لإعادة كتابة التاريخ القريب، عبر سحب أحداث قديمة، وتسليط الضوء على مزاعم متكررة، وتحويل الدعم السريع إلى طرف سلبي دائمًا، في حين تُغضّ الأطراف الإعلامية النظر عن الانتهاكات الفعلية التي ارتكبها خصوم القوات، بما فيها جيش الإسلامويين وزبانيتهم، الذين تورطوا في أعمال عنف شنيعة ضد المدنيين. هذه الحملات الإعلامية تستفيد من الانقسامات الجهوية والعنصرية لتأكيد روايات مسبقة، بعيدًا عن الوقائع والحقائق الميدانية. “لا تصدق كل ما تُقرأ، بل تحقق مما هو مكتوب بين السطور.”
في الوقت نفسه، يكشف الواقع الميداني عن مستوى عالٍ من التعامل الإنساني للقوات، سواء في الفاشر أو الخرطوم أو الجزيرة، مقارنة بما ارتكبه الآخرون من أعمال وحشية. هذا التناقض بين الروايات الإعلامية والحقائق اليومية على الأرض يُظهر كيف يمكن للإعلام أن يحرف الواقع لترويج أجندة سياسية معينة، ويعيد إنتاج خطاب يشيطن طرفًا ويبرئ آخر، على حساب نزاهة المعلومات والمجتمع ككل. “الوهم ينمو عندما نغلق أعيننا عن الحقيقة، والوعي ينقذنا من سطوة التضليل.”
الخطوة الأساسية لمواجهة هذا التضليل هي تعزيز ثقافة التحقق المستقل، والاعتماد على التحقيقات الميدانية والمنهج العلمي في توثيق الأحداث، بعيدًا عن التوظيف السياسي والتأويلات المتحيزة. المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام العالمية ملزمة بالتحقق من مصداقية أي تقرير قبل تداوله، خصوصًا في مناطق حساسة مثل معسكر العفاض، حيث تتشابك الأبعاد الإنسانية والسياسية. “القوة الحقيقية ليست في الخطاب العالي، بل في الحقائق الثابتة التي تقف شامخة أمام الرياح العاتية.”
إن الوعي النقدي هو حصن المجتمع ضد التضليل، والقدرة على التمييز بين الواقع والتلفيق، بين الانتهاك الفعلي والادعاء المصنّع، أمر ضروري لبناء مجتمع قوي ومستند إلى الحقائق. إن مراجعة الأحداث والتوثيق الميداني لا يحمي الدعم السريع فقط، بل يحمي المجتمع من الانقسام والاستغلال السياسي لمعاناته الإنسانية. “الوطن العظيم يبنى بالحقائق، لا بالأكاذيب التي تصنعها الأيدي الخفية.”
في النهاية، يظل درسنا الأهم هو أن صناعة الأكاذيب لن توقف العمل الإنساني الحقيقي، وأن الالتزام بالتحقق ومواجهة التضليل هو ما يحفظ العدالة ويضمن محاسبة المتورطين فعليًا، بعيدًا عن المسرحيات الإعلامية وحملات التشويه. إن الحقيقة، مهما حاول الإعلام الموجه طمسها، تبقى النور الذي يضيء الطريق نحو مجتمع واعٍ ومتلاحم. “الحقائق، مهما حاولت الأكاذيب طمسها، تبقى النور الذي يضيء الطريق.”




