رأي

هجليج والفاشر كيف أصبحت المنشآت أغلى من الأرواح

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

القيادة العسكرية كصاحب القرار الأوحد

منذ اندلاع الحرب أصبحت القرارات المصيرية في السودان بيد القيادة العسكرية بالكامل دون أي رقابة مستقلة أو تدخل من الحكومة

بهذا الوضع صارت الحرب مجالًا مغلقًا تقرره عقلية السلاح وحدها وتغيب عنه الأولويات الوطنية التي توازن بين الأمن والاقتصاد والمجتمع

وفي ظل هذا الاحتكار يتحول الخطأ في التقدير العسكري إلى نهج حكم ثابت كما أثبتت التجارب السابقة في الصراعات الدولية

هجليج حماية الموارد بالانسحاب ثم نفي الحماية بالقصف

الانسحاب من حقل هجليج قُدّم كخطوة لحماية منشآت النفط باعتبارها مقدرات وطنية استراتيجية

لكن قصف الحقل بطائرات مسيّرة بعد ساعات قليلة كشف أن التقدير لم يكن ثابتًا بل مبنيًا على حسابات آنية

القراران يظهران تناقض القيادة العسكرية الانسحاب لحماية الثروة والقصف لاحقًا لتدميرها

يبدو أن المقدرات الوطنية ليست قيمة بحد ذاتها بل أداة تُستخدم وفق مجريات اللحظة

يمكن الرجوع إلى حالات مماثلة دوليًا مثل قصف المنشآت المدنية في اليمن وسوريا حيث تم توثيق الانتهاكات واعتبارها خرقًا لمبادئ الضرورة والتناسب وفق القانون الدولي الإنساني

أهمية حقل هجليج بين الاستراتيجية والخراب

حقل هجليج ليس مجرد منشأة نفطية بل هو أحد الأعمدة الاقتصادية الأساسية للسودان يغطي نسبة كبيرة من إنتاج النفط ويؤثر مباشرة على إيرادات الدولة وتمويل الخدمات الحيوية أي تقدير عسكري يضع المدنيين أو المنشآت في خانة الاختيار بين الحماية والهدم يجب أن يزن بعناية لأن الانتصار العسكري على الورق لا يساوي النجاح إذا تكلل بتدمير مقدرات الوطن

قصف الجيش لحقل هجليج والكباري والمنشآت الأخرى بعد انسحابه يعكس تناقضًا صارخًا الانتصار العسكري يصبح هدمًا اقتصاديًا وتهديدًا للمدنيين في آن واحد

القانون الدولي الإنساني وفق البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف ينص على ضرورة التوازن بين الهدف العسكري والخسائر المدنية والمادية (مبدأ التناسب) ويعتبر استهداف المنشآت الاقتصادية الحيوية بلا ضرورة عسكرية واضحة خرقًا صريحًا

كما أن الدستور السوداني فيلزمه حماية ممتلكات الدولة واستغلال الموارد بما يخدم الشعب ولا يجيز التضحية بالمقدرات الوطنية كأداة حرب

الفاشر عندما تصبح حياة المدني سلعة مجانية

في الفاشر تستمر العمليات القتالية وسط أحياء مكتظة بالسكّان حيث المدنيون الأكثر هشاشة

ورغم ذلك لم تُطبق القيادة نفس معيار هجليج لا انسحاب لحماية الأرواح لا خطة لتخفيف الخسائر ولا اعتبار أن المدني هو الهدف المحمي الأول

يتضح أن القيادة العسكرية تمنح المنشآت قيمة أعلى من حياة البشر وأن فلسفة الحرب لم تعد مبنية على حماية المواطن بل على حماية ما يمكن الاستفادة منه اقتصاديًا

الحرب خارج مبدأي الضرورة والتناسب

القانون الدولي الإنساني يضع معيارين أساسيين الضرورة العسكرية والتناسب بين الهدف العسكري والخسائر المدنية

قرارات هجليج والفاشر تظهر انهيار هذين المعيارين حماية المنشأة لا تُبرر تدميرها لاحقًا والبقاء وسط المدنيين لا يُبرر رفع كلفة أرواحهم

هذا الانهيار ليس مجرد إخلال أخلاقي بل مسؤولية قانونية مباشرة تتحملها القيادة وفق

المادة 51 من بروتوكول جنيف الإضافي (حماية المدنيين)

المادة 8 من نظام روما الأساسي (جرائم الحرب

الدستور السوداني الذي يفرض حماية المدنيين والممتلكات الوطنية

مساءلة القادة العسكريين

القانون الدولي لا يقتصر على تحميل الدولة المسؤولية بل يمتد إلى الأفراد القادة العسكريين

القادة الذين يأمرون أو يسمحون بعمليات تستهدف المدنيين أو تدمر منشآت مدنية حيوية بدون مبرر عسكري مشروع يمكن محاسبتهم أمام المحكمة الجنائية الدولية وفق مبادئ المسؤولية الفردية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية

هذا يضع كل قرار عسكري تحت المراقبة القانونية الدولية ويحول سوء التقدير المتعمد أو الإهمال الجسيم إلى مسؤولية جنائية مباشرة

 

حالات دولية مشابهة

النزاعات في اليمن وسوريا شهدت استهداف منشآت مدنية حيوية وأُدرجت ضمن جرائم حرب دوليًا

هذا يوضح أن أي قيادة تستخدم “الضرورة العسكرية” لتدمير مقدرات الوطن بلا مبرر قانوني تكون معرضة للمساءلة الدولية

احتكار القرار العسكري وغياب الرقيب

السيطرة الكاملة للجيش على القرار الوطني جعلت الدولة بلا توازن

القرار العسكري صار وطنيًا بلا رقابة والخطأ في التقدير أصبح سياسة ثابتة والمدنيون يتحملون نتائجه

القانون الدولي يوضح أن القائد العسكري مسؤول عن نتائج قراراته سواء أضرار مادية أو بشرية ولا يُعفى من المسؤولية بحجة سوء التقدير

حق الشعب في الحماية والمقاومة تحت الحكم القمعي

عندما يصبح التعبير السلمي مهددًا بالحياة كما حدث تحت قوانين مثل قانون الوجوه الغريبة فإن الشعب لا يزال يمتلك أدوات للدفاع عن نفسه وحماية المدنيين ليس المقصود الحرب أو العنف بل المقاومة الذكية والمدروسة المقاطعة الاقتصادية للمؤسسات المرتبطة بالعمليات العسكرية الإضرابات المحدودة التي تستهدف المراكز المسؤولة عن القمع والتوثيق الآمن للانتهاكات

هذا التوثيق سواء بالصور أو الفيديو أو الشهادات يصبح أساسًا للضغط الدولي عبر المنظمات الحقوقية والأمم المتحدة ويضمن أن أصوات المدنيين لا تختفي في صمت القمع كما أن بناء شبكات حماية محلية يتيح تأمين المدنيين وتوفير خطط إخلاء أو دعم إنساني عند الضرورة

في هجليج والفاشر هذه الآليات ليست خيارًا بل ضرورة حياتية في الوقت الذي تُقدّر فيه المنشآت أعلى من الأرواح يصبح التوثيق والمقاومة المدنية الآمنة أدوات الشعب الأساسية لضمان أن الحياة لا تُضحى بها من أجل استثمارات أو موارد وأن العدالة ستأتي مهما طال الزمن

الضغوط الدولية والرباعية بين السلام والتعنت العسكري

الضغط العالمي وخاصة من خلال الرباعية الدولية يهدف لإجبار أطراف الحرب على الجلوس لطاولة السلام وضمان حماية المدنيين والممتلكات الوطنية هذه الآليات تضع القيادة العسكرية أمام اختبار حقيقي هل ستقبل رقابة دولية ولو جزئية أم ستستمر في احتكار القرار والتعنت

القرارات العسكرية الخاطئة التي تهدد حياة المدنيين وتدمر مقدرات الدولة تصبح سلاحًا مزدوجًا فهي لا تضر الشعب فحسب بل تُضعف موقف الجيش أمام المجتمع الدولي وتفتح الباب للمساءلة القانونية

ومع ذلك يبدو أن الخوف من المحاسبة أو التقدير الخاطئ للنتائج هو أحد أسباب التعنت ورفض السلام القيادة العسكرية بحصرها القرار تتحجج أحيانًا بـ”الضرورة العسكرية” لكنها في الواقع ترفض التنازل خوفًا من فقدان السيطرة أو الاعتراف بالمسؤولية عن الخسائر

القانون الدولي والدستور واضحان حماية المدنيين والممتلكات أولوية والمساءلة لا تُلغى بسوء التقدير استمرار التعنت ليس فقط تحديًا للسلام بل خرق صارخ للقانون الدولي والواجب الوطني ويجعل الضغط الدولي والرباعية أدوات ضرورية لإجبار الأطراف على احترام حقوق الشعب والحفاظ على مقدرات الوطن

ماذا في يدنا أن نعمل الآن

رغم السيطرة المطلقة للجيش يظل للشعب أدوات لا يمكن مصادرتها

أولًا التوثيق كل صورة أو شهادة عن القصف أو الانتهاك تصبح دليلاً قانونيًا مستقبليًا

ثانيًا المطالبة بصوت موحّد الضغط المدني والسياسي لإخضاع القرارات العسكرية للرقابة وحماية المدنيين

ثالثًا المحاسبة المؤجلة العدالة لا تسقط بالتقادم والجرائم ضد المدنيين لا تُمحى بالتبريرات

هجليج والفاشر فصلان من كتاب واحد هجليج تكشف تذبذب القرار العسكري والفاشر تكشف سقوط القيمة الإنسانية في النهاية يبقى السؤال كم إنسانًا خسرنا ولماذا

الخلاصة

الحرب لم تعد وسيلة دفاع بل أداة لإدارة الموارد والسيطرة على الشعب

الجيش يحتكر القرار القانون الدولي ينتظر التطبيق والشعب يحمل الأمل في التوثيق والمطالبة والمحاسبة

ما يبقى بعد أن تسكت المدافع ليس المسافة التي كسبها طرف على الآخر بل عدد الأرواح التي ضاعت والقدرة على الدفاع عن كرامة الإنسان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!