رأي

حين تُبنى الحقائق على الرمل… كيف صارت رواية السودان أسيرة الدولة العميقة والدعاية الموجّهة؟

نجم الدين دريسة

 

 نجم الدين دريسة

لم تكن تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن مزاعم ارتكاب قوات الدعم السريع «الجرائم بشكل أسوأ» مجرد سقطة عابرة أو خطأ في التقدير السياسي؛ بل كانت تجسيداً صارخاً لخلل عميق في المنهج الأممي المعتمد على روايات مصنوعة، ومطبوخة في مطابخ الدولة العميقة ووكلاء الاستعمار الذين يمسكون بخيوط الإعلام والمنظمات والتمويل، ويُحسنون صناعة الوهم وتدوير الأكاذيب حتى تبدو وكأنها مسلمات لا تقبل النقاش.

لقد أثبتت التجربة السودانية، عبر عقود طويلة، أن «السردية الرسمية» التي تتبناها بعض الدوائر الإقليمية والدولية لم تكن يومًا تتأسس على الوقائع، بل على تقارير تنتجها شبكات مصالح تسيطر على الإعلام، وتنفخ الخوف في المنابر الحقوقية، وتفرض مصطلحاتها على مؤسسات الأمم المتحدة، حتى أصبح الحديث عن السودان مرهونًا بلسان غير أهله، وبعيون لا ترى إلا ما يخدم مصالحها.

الكذبة الصغيرة قد تُكذّب، أما الكذبة الكبيرة فتكفيها كثرة الترداد لتصبح حقيقة.

منذ بداية الحرب الأخيرة، تحولت المنصات الفلولية والإعلام المرتبط بدولة الوكلاء إلى ماكينة ضخمة لإنتاج روايات جاهزة ضد الدعم السريع، تُعاد صياغتها وتدويرها في القنوات الإقليمية، ثم تُصدَّر بتقارير سياسية إلى المنظمات الدولية، ومنها إلى مكاتب الأمم المتحدة، حيث يجلس موظفون لا علاقة لهم بالسودان، ولكنهم يملكون القدرة على إصدار أحكام كبرى تبني عليها الأسرة الدولية قراراتها. وهكذا أصبحت الوقائع الميدانية المهمّشة، والشهادات المتناقضة، والأحداث التي لم تُحقق فيها أي جهة مستقلة، «مصادر معلومات» يعتمد عليها غوتيريش وغيره لإطلاق تصريحات ذات أثر خطير، رغم أنها بُنيت على أساس هش، غير محايد، وأحياناً غير صادق.

إن القضية ليست مجرد تقارير مغلوطة، بل منظومة متكاملة من التضليل. شبكات إعلامية مرتبطة بفلول النظام البائد، مراكز أبحاث تمولها دول إقليمية لها مصالح في استمرار الفوضى، موظفون في وكالات الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية يشكّلون جزءاً من شبكة النفوذ، ينقلون صورة مشوهة تُراد لها أن تصبح الرواية الرسمية.

والأسوأ من ذلك أن هذه الشبكات تعرف كيف توظّف لغة «حقوق الإنسان» لتبرير انحيازها، فتستخدم المفردات الأخلاقية لإخفاء أجندتها السياسية، وتقدّم نفسها كصوت المتضررين، بينما هي في الواقع صوت القوى التي تريد إعادة تدوير النظام القديم، وتلميع الدولة العميقة.

حين تتحدث السياسة بلسان الأخلاق، فابحث عن المصلحة المختبئة خلف الكلمات

إن السودان كما نعرفه ليس مجرد دولة فاشلة؛ بل كيان صُمّم منذ الاستقلال على أساس خاطئ، ووُضع في يد نخب مرتبطة بالخارج، خصوصاً بمصر الرسمية، التي صنعت مع عدد من الضباط والسياسيين دولة افتراضية لا تعبّر عن شعوب السودان، بل تُستخدم كأداة لإدارة النفوذ الإقليمي. هذه الدولة المختطفة لم تُبنَ على عقد اجتماعي يجمع أهل البلاد، بل على فرض هوية واحدة، وثقافة واحدة، ومركز واحد يحتكر السلطة والثروة.

ولم يكن غريباً أن تُستخدم هذه الدولة لاحقاً كأداة لقمع الأطراف، وإسكات الأصوات، وإقصاء القوميات، ثم استدعاء المجتمع الدولي لتثبيت «رواية المركز» بوصفها الحقيقة الوحيدة الممكنة.

لقد ظل الإعلام المرتبط بالمركز يروّج لثنائية مزيفة: «جيش وطني» مقابل «قوات خارجة على القانون». هذه الثنائية ليست مجرد أسطورة سياسية، بل ركيزة أساسية في خطاب الدولة العميقة التي تقدم الجيش بكل تاريخه الدموي من الجنوب إلى جبال النوبة ودارفور والشرق— باعتباره ممثلاً للدولة، بينما تُعامل كل قوة أخرى باعتبارها تهديداً يجب شيطنته. وقد تبنّت الأمم المتحدة —للأسف— هذه الثنائية دون تمحيص، ودون مراجعة تاريخ الجيش الذي ارتكب انتهاكات موثقة لعقود دون مساءلة.

وهكذا تصبح تصريحات غوتيريش امتداداً طبيعياً لرواية عمرها سبعون عاماً، لا لوقائع الحرب الحالية.

من يكتب التاريخ يملك الحاضر؛ ومن يملك الحاضر يفرض سردية المستقبل.

لقد أثبتت الوقائع الميدانية، في الفاشر والخرطوم والجزيرة، أن كثيراً من التقارير التي اعتمدت عليها المنظمات الدولية كانت مليئة بالثغرات، وأن بعض الادعاءات لم تُحقق فيها أي جهة مستقلة، وأن شهادات المدنيين كثيراً ما تناقض الرواية الإعلامية الرسمية. بل إن منظمات إنسانية محايدة أكدت مراراً أن النقاط الإنسانية التي تديرها قوات الدعم السريع كانت أكثر انضباطاً في التعامل مع المدنيين من بعض القوات النظامية التي مارست القتل والاعتقال على الهوية، وهو ما تجاهلته تقارير الأمم المتحدة بالكامل.

إن هذا الانحياز المؤسسي لا يمكن تفسيره إلا بوجود شبكة ضغط كبرى تمتلك القدرة على التأثير على الرأي الدولي، وتوجيهه، وتحديد ما يُنشر وما يُخفى.

إن السودان اليوم يقف أمام لحظة مفصلية تتطلب تفكيك الرواية المؤسسة التي صنعتها الدولة العميقة. فالدولة السودانية ليست مجرد حكومة أو حدود جغرافية؛ إنها مشروع سياسي فشل منذ لحظته الأولى لأنه تجاهل شعوب الهامش، وأقام سلطته على الإقصاء، واستثمر في الجهل والخوف، وسمح للجيش بالتحول من مؤسسة وطنية إلى أداة قمع. وحين تنهار مثل هذه الدولة، لا ينهار النظام وحده، بل تنهار معه المنظومة التي تنتج الروايات والتقارير والأحكام الجاهزة، ويقف المجتمع الدولي أمام فراغ معرفي يعجز عن فهمه، فيلجأ إلى أسهل طريق: تبني الأكاذيب الأكثر انتشاراً.

“الأمم لا تسقط لأنها أخطأت، بل لأنها أصرت على الخطأ ورفضت رؤية الحقيقة.”

إن تصريحات غوتيريش ليست مشكلة في ذاتها، بل عرض لمرض أعمق: مرض الاعتماد على روايات منحازة، ومصادر معلومات تمثل جزءاً من الصراع، ومنظومة إعلامية وحقوقية تُدار من غرف مغلقة لا علاقة لها بواقع الميدان.

وإذا أراد المجتمع الدولي أن يتعامل بجدية مع الأزمة السودانية، فعليه أولاً أن يتحرر من أسر هذه السرديات، وأن يرسل بعثات مستقلة لا تخضع لنفوذ الدولة العميقة ولا لإملاءات الدول الإقليمية، وأن يعيد النظر في كل تقرير كُتب عن السودان منذ بداية الحرب.

أما إذا استمرت الأمم المتحدة في تبني الروايات المُصنَّعة، فإنها لن تكون جزءاً من الحل، بل جزءاً من المشكلة.

إن السودان لن ينهض ما لم تُكسر أسطورة الدولة الافتراضية، وما لم يُعَد تعريف «الوطن» خارج قوالب المركز، وما لم تُفتح ملفات سبعة عقود من التهميش والقتل والقهر. الحقيقة ليست ملكاً لمنظمات ولا حكومات؛ الحقيقة يملكها الشعب، وشعوب السودان اليوم تعرف جيداً من قاتلها، ومن همّشها، ومن أحرق قراها، ومن حاول أن يصنع لها رواية لا تشبهها.

والعالم إن أراد أن يسمع سيجد الحقيقة في صوت الناس، لا في تقارير الدولة العميقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!