
مؤيد الأمين
في مشهد يصلح لأن يكون افتتاحية لمسرحية عبثية، يخرج علي كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية في السودان، ليشيد بجهود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وبالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مساعيهما لوقف الحرب في السودان. حتى هذه النقطة قد يظن القارئ أننا أمام مراجعة فكرية متأخرة، أو اعتراف ضمني بأن مفاتيح الحل ليست في جيوب الإسلامويين. لكن العبث الحقيقي يبدأ حين نتذكر أن هذه الحركة نفسها أُسقطت من أعلى عرش السلطة بثورة شعبية في 2019، وأن الشعب قال كلمته بوضوح: لا مكان للتيار الإسلاموي، بكل واجهاته، في المجال العام ولا في الدولة.
السؤال البديهي: بأي صفة يتحدث علي كرتي؟ وبأي شرعية يشيد؟ وهل عاد التيار الذي لفظه الشارع من الباب الخلفي ليمنح صكوك الوطنية ويقيم وزن المبادرات الدولية؟
المفارقة لا تقف هنا. فالسيد عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش، لم يكتفِ بالصمت، بل أشاد بخطاب علي كرتي، وامتدح ما سماه “الرصانة” في حديثه، لا سيما ما تعلق بتقدير ترامب ومحمد بن سلمان. رصانة؟ أي رصانة هذه التي تصدر عن تنظيم منحل قانوناً، ومرفوض سياسياً، ومتهم أخلاقياً بأنه أحد الأسباب الجذرية لما آلت إليه البلاد؟
ثم تأتي العقدة الكوميدية الكبرى: الرباعية الدولية تقول بوضوح إن من شروط أي مسار جاد لوقف الحرب تفكيك نشاط الحركة الإسلامية من خلف الستار، وإبعادها عن المؤسسات الأمنية والعسكرية. رد البرهان؟ إنكار كامل لوجود الحركة الإسلامية أصلاً. لا إخوان، لا كيزان، لا تنظيم، لا أثر. السودان – حسب هذا الخطاب – بلد خالٍ من الإسلامويين، كما لو أنهم تبخروا فجأة، أو هاجروا جماعياً إلى كوكب آخر.
لكن في المشهد ذاته، يشيد البرهان مرة أخرى برد علي كرتي، ويثني على موقفه المؤيد للرباعية، مع طلب “التريث والتدقيق” لأن… لا وجود لإخوان مسلمين! وهنا يبلغ العبث ذروته: تنظيم غير موجود، يصدر خطاباً، يُشاد به، ويُناقش، ويُقدَّم كفاعل سياسي، ثم يُقال لنا بثقة إن هذا التنظيم غير موجود.
هذه ليست مجرد تناقضات لفظية، بل سياسة قائمة على الإنكار المزدوج. إنكار أمام المجتمع الدولي، حيث تُرفع شعارات “لا علاقة لنا بالإسلامويين”، وإنكار أمام الداخل، حيث يُسمح لنفس الإسلامويين بالحركة، والتصريح، والتأثير، وإعادة التموضع داخل مؤسسات الدولة، لا سيما الأمنية والعسكرية.
في ميزان السياسة، هذا السلوك لا يُسمى دهاءً، بل مقامرة خاسرة. فالمجتمع الدولي ليس ساذجاً إلى الحد الذي يصدق أن تنظيماً حكم السودان ثلاثين عاماً، واخترق الجيش والأمن والقضاء والاقتصاد، يمكن أن يختفي بمجرد تصريح صحفي. والشارع السوداني، الذي دفع ثمناً باهظاً من الدم والدموع، يدرك أكثر من غيره أن الإسلامويين هم أحد المحركات الأساسية لهذه الحرب، في تخطيطها، وتمويلها، واستثمارها.
الكوميديا هنا سوداء، لأنها تُدار فوق أنقاض بلد. علي كرتي يشيد بترامب ومحمد بن سلمان، كمن يحاول أن يبعث رسالة طمأنة للعالم: “نحن معتدلون، عقلانيون، مع السلام”. والبرهان يلتقط الخيط، فينكر وجود الحركة، لكنه يحيي خطابها. لعبة مرايا رديئة الإخراج، هدفها الوحيد إخفاء حقيقة واحدة: أن الإسلامويين، مهما غيروا لغتهم أو بدّلوا أقنعتهم، ما زالوا في قلب المشهد، وما زالوا يرون في الحرب فرصة أخيرة للعودة.
إن ما يجري ليس سوء تفاهم سياسي، بل استخفاف بالعقول. فلا يمكن إقناع العالم بأن شبحاً يكتب البيانات، ولا يمكن إقناع الشعب بأن من دمروا الدولة بالأمس أصبحوا فجأة دعاة سلام. هذه ليست سياسة، بل مسرح عبث، أبطاله يتبادلون الأدوار، بينما يدفع المواطن وحده ثمن التذاكر، والدم، والمستقبل.
والخلاصة بسيطة، مهما حاولوا إنكارها: لا سلام في السودان دون مواجهة صريحة مع جذور الأزمة، وفي مقدمتها التيار الإسلاموي، بكل أسمائه القديمة والجديدة، وبكل من ينكر وجوده بلسانه، ويباركه بفعله.




