رأي

ثورة أبريل: مشروع وطني يتجاوز حدود الهامش والمركز

محمد البخيت

 

 فحيح الافعي محمد البخيت

في تاريخ الشعوب محطات مفصلية تشكل منعطفات حاسمة في مسارها السياسي والاجتماعي، وتؤسس لمراحل جديدة تتجاوز إخفاقات الماضي وتطلعات الحاضر نحو مستقبل أكثر عدلاً واستقراراً. ومن هذا المنظور، تبرز ثورة الخامس عشر من أبريل بوصفها حدثاً فارقاً في المشهد السوداني، ليس باعتبارها مجرد تطور سياسي أو عسكري عابر، وإنما باعتبارها تعبيراً عن أزمة تاريخية عميقة وسعياً متجدداً لإعادة صياغة الدولة السودانية على أسس أكثر عدالة وشمولاً.

لقد ظل غرب السودان، ومعه العديد من أقاليم البلاد، لعقود طويلة يواجه تحديات التهميش السياسي والاقتصادي والتنموي، الأمر الذي أفرز اختلالات هيكلية عميقة في بنية الدولة والمجتمع. غير أن هذه المعاناة لم تنتج حالة من الاستسلام أو الانكفاء، بل أسهمت في بلورة وعي متزايد بضرورة التغيير وإعادة النظر في طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، بما يحقق المساواة في الحقوق والواجبات ويؤسس لدولة المواطنة المتساوية.

إن المشروع الذي تشكلت حوله قوى التغيير خلال هذه المرحلة يستند إلى تضحيات جسيمة قدمها آلاف السودانيين الذين دفعوا أثماناً باهظة من أجل تحقيق تطلعاتهم في وطن يسوده السلام والعدالة والاستقرار. ولهذا فإن هذا المشروع لا يمكن اختزاله في انتماءات قبلية أو إثنية أو جغرافية ضيقة، بل يتجاوز تلك الحدود ليطرح رؤية وطنية تستوعب التنوع السوداني وتجعله مصدر قوة وإثراء بدلاً من أن يكون سبباً للصراع والانقسام.

لقد عانى السودان، على امتداد عقود طويلة، من أزمات الحكم وسوء إدارة التنوع، ومن هيمنة نخب سياسية لم تنجح في بناء مشروع وطني جامع يستوعب التعدد الثقافي والإثني والديني الذي يميز البلاد. وعلى الرغم من أن السودان يمتلك موارد طبيعية هائلة وإمكانات بشرية وثقافية استثنائية، إلا أن غياب الإدارة الرشيدة والعدالة في توزيع السلطة والثروة حال دون تحويل هذه الإمكانات إلى نهضة وطنية شاملة.

ومن هنا تبرز أهمية مشروع التغيير الجذري الذي يسعى إلى تأسيس دولة حديثة تقوم على مبادئ العدالة والمواطنة وسيادة القانون، وتستند إلى مؤسسات وطنية تعكس التنوع الحقيقي للمجتمع السوداني. دولة يكون معيار الانتماء إليها هو المواطنة، وتُدار شؤونها عبر مؤسسات ديمقراطية تتيح التداول السلمي للسلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة تعبر عن الإرادة الشعبية.

غير أن نجاح أي مشروع وطني بهذا الحجم يتطلب يقظة مستمرة لحمايته من محاولات الإضعاف والإفشال، سواء عبر تأجيج النزاعات الاجتماعية أو تغذية خطاب الكراهية أو استغلال التناقضات المحلية لإعاقة مسار التحول الوطني. فالتجارب التاريخية تؤكد أن أخطر التحديات التي تواجه مشروعات التغيير الكبرى غالباً ما تأتي من محاولات تفكيكها من الداخل وإفراغها من مضمونها الوطني الجامع.

وفي هذا السياق، فإن ما يميز ثورة الخامس عشر من أبريل، في نظر مؤيديها، أنها تجاوزت الحسابات السياسية الضيقة وطرحت نفسها كمشروع يسعى إلى معالجة جذور الأزمة السودانية، لا الاكتفاء بالتعامل مع مظاهرها. كما أنها تستند إلى أدوات سياسية واجتماعية وعسكرية وتنظيمية تراها قادرة على حماية مشروعها والدفاع عن أهدافها في مواجهة التحديات المختلفة.

إن القيمة الحقيقية لأي ثورة لا تُقاس فقط بقدرتها على إسقاط واقع قائم، بل بقدرتها على بناء بديل أكثر عدالة واستقراراً. ولذلك فإن التحدي الأكبر أمام السودانيين اليوم يتمثل في تحويل شعارات التغيير إلى مؤسسات وسياسات وبرامج عملية تُرسخ السلام وتحقق التنمية وتضمن مشاركة جميع مكونات المجتمع في صناعة المستقبل.

ويبقى الأمل معقوداً على أن تشكل هذه المرحلة فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة، تضع حداً لدورات الصراع المتكررة، وتفتح الطريق أمام وطن يتسع لجميع أبنائه، ويستثمر تنوعه الثقافي والاجتماعي باعتباره مصدر قوة ووحدة، لا سبباً للفرقة والانقسام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!