
إيمان التجاني
لم تكن حرب أبريل 2023 في السودان مجرد مواجهة مسلحة بين أطراف متنازعة، بل كانت زلزالًا اجتماعيًا ضرب قلب البلاد، وانفجرت ارتداداته في تفاصيل الحياة اليومية للناس. وحين اشتعلت الخرطوم، لم تتهدم المباني وحدها، بل تكسّرت إيقاعات العيش، وتبعثر الاستقرار، وانقلبت حياة ملايين السودانيين رأسًا على عقب، بين نزوحٍ قاسٍ، وهجرةٍ اضطرارية، وفقدٍ لا يُجبر.
وسط هذا المشهد الملبّد بالدمار، خرجت المرأة السودانية إلى الواجهة من جديد، لا بوصفها ضحية صامتة، بل كقوة فاعلة، حاضرة في صميم المواجهة مع آثار الحرب. وهي التي تمثل أكثر من نصف المجتمع، حملت العبء الأكبر حين تراجع كل شيء، وصارت الجدار الأخير الذي يستند عليه البيت السوداني وهو يترنح.
لم تكن معاناة النساء أقل وطأة من معاناة الرجال، لكن الفارق كان في طريقة التعاطي مع الألم. كثير من الرجال واجهوا الصدمة بفقدان العمل، وضياع الدور التقليدي، والوقوف أمام واقع لم يتهيأوا له. بعضهم استسلم للحيرة، وبعضهم قاوم بصمت. أما المرأة السودانية، فاختارت طريقًا آخر: طريق الفعل. لم تنتظر حلولًا كبرى، بل صنعت حلولها الصغيرة التي أنقذت حياة كاملة.
في مخيمات النزوح، وفي بيوت الإيجار الضيقة بدول الجوار، وفي شقق الشتات البعيدة، أعادت المرأة السودانية تعريف معنى العمل. من كانت تخبز لأسرتها، صارت تبيع الخبز. ومن كانت تطبخ بدافع المحبة، حولت مطبخها إلى مصدر رزق. ومن امتلكت موهبة يدوية، في التطريز أو صناعة الإكسسوارات أو تصميم الأزياء، صنعت منها بابًا للأمل والدخل. لم يكن ذلك ترفًا، بل ضرورة للبقاء.
إلى جانب ذلك، واصلت الموظفات والمعلمات والممرضات والعاملات في مختلف القطاعات أداء أدوارهن، رغم الضغوط النفسية والمادية الهائلة. حملن مسؤولية الإعالة، ورعاية الأطفال، ومداواة الجراح النفسية، والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الأسري. كانت أدوارًا مضاعفة، لكنها أُنجزت بصبر نادر وقوة صامتة.
المرأة السودانية لم تكن يومًا ظلًا تابعًا، بل كانت دائمًا شريكًا أصيلًا وصمام أمان في لحظات الانكسار. في الحرب كما في السلم، تثبت أنها ليست فقط نصف المجتمع عددًا، بل أكثره حضورًا وتأثيرًا وقت الأزمات. هي التي تحفظ الذاكرة، وتصنع الاستمرارية، وتحوّل الألم إلى طاقة حياة.
اليوم، التحية واجبة لكل امرأة سودانية واجهت الحرب بكرامة، وواجهت الفقد بالثبات، وواجهت الغربة بالإنتاج. التحية لمن بقين واقفات رغم الانكسار، ولمن قدّمن أبناءهن، وأحلامهن، وأعمارهن قربانًا لبقاء الوطن.
فالمرأة السودانية ستظل، في كل زمان ومكان، صورة الصمود، وصوت الحياة في مواجهة الموت، وركيزة الأمل في وطن يتعلّم من جراحه كيف ينهض من جديد.




