العقل السوداني والأزمة الوطنية: قراءة تحليلية لتحديات الفهم والتجاوز
د.نصر الدين أحمد إدريس الدومة

د. نصرالدين أحمد إدريس الدومة
تُعد الأزمة السودانية واحدة من أعقد الملفات الوطنية التي تواجه العقل الجمعي في البلاد، فهي ليست مجرد صراع سياسي أو نزاع مسلح، بل تراكم تاريخي طويل من الانقسامات الاجتماعية والثقافية والسياسية. على الرغم من مرور عقود من الحروب والتجارب السياسية المختلفة، لا يزال “العقل السوداني” يجد صعوبة في استيعاب جذور الأزمة وفهمها بشكل كامل، ما يؤدي إلى تكرار الأخطاء وتعميق معاناة المواطنين واستمرار دوامة العنف والصراع الداخلي. هذه المعضلة ليست نتيجة فردية، بل انعكاس لتراكمات تاريخية وسياسية وثقافية معقدة، تستلزم تحليلًا عميقًا وموضوعيًا لفهم طبيعة الأزمة ووضع أسس لتجاوزها.
أول هذه التحديات يتمثل في إرث الاستعمار والتهميش الطويل. فقد عمل الاستعمار البريطاني على خلق انقسامات داخل المجتمع السوداني عبر سياسات تقسيمية وإدارية متعمدة، وأوجد هيمنة مركزية تهمّش أطراف البلاد وتغرس شعورًا بالظلم والعداء بين المكونات المختلفة. العقل السوداني الذي تشكل في ظل هذه البيئة ورث معه هذه الانقسامات، ما جعله يفسر الصراعات غالبًا من منظور مناطقي أو قبلي، بدلًا من النظر إليها كأزمات وطنية تتعلق بالسلطة والموارد والمستقبل المشترك للدولة.
ثانيًا، أيديولوجيات الاستبداد والحلول القسرية التي تبناها معظم الأنظمة السودانية منذ الاستقلال أعاقت تطوير عقل سياسي قادر على معالجة الأزمة. فقد اعتادت الأنظمة العسكرية والمدنية على استخدام القوة والقمع كأداة أساسية لحل النزاعات، ما غرس في العقل الجمعي الاعتقاد بأن القوة والحلول السريعة هي السبيل للخروج من الأزمات، على حساب الحوار والمشاركة الشعبية وبناء التوافق الوطني، وهو ما يفسر استمرار اعتماده على الحلول الفردية والقرارات الفوقية.
ثالثًا، ثقافة المركزية والإقصاء التي مارستها النخب السياسية عبر تاريخ السودان ساهمت في تعميق شعور الأطراف بالحرمان. فقد ظلت السلطات والقرارات مركزة في العاصمة، بينما تم إهمال مطالب الأطراف واعتبارها تمردًا أو مؤامرة، بدلًا من فهمها كصرخات وطنية تطالب بالعدالة والمشاركة الحقيقية في بناء الدولة. هذا الانفصال بين المركز والمحيط شكل حاجزًا أمام العقل السوداني لفهم احتياجات الأطراف وتقدير مطالبها المشروعة.
رابعًا، غياب الذاكرة التاريخية المشتركة أسهم في تعزيز الانقسامات. لكل مكون من مكونات المجتمع السوداني روايته الخاصة للتاريخ، غالبًا متناقضة مع الأخرى، مما يعيق بناء رؤية وطنية موحدة تعترف بالأخطاء الماضية وتستفيد من الإنجازات المشتركة. دون هذه الذاكرة، يظل العقل الجمعي عاجزًا عن استخلاص الدروس وتجنب تكرار الأخطاء التاريخية، مما يغلق الباب أمام أي تطور سياسي مستدام.
خامسًا، أزمة الهوية المزدوجة تمثل تحديًا إضافيًا، إذ تتداخل في السودان العناصر الأفريقية والعربية والإسلامية. هذه الهوية المعقدة، رغم كونها مصدر ثراء ثقافي، قد تتحول إلى عامل انقسام، حيث يواجه العقل السوداني صعوبة في الموازنة بين هذه الهويات وتقدير قيمتها، ما يؤدي أحيانًا إلى تبني هوية واحدة على حساب أخرى وتفاقم الانقسامات الداخلية.
سادسًا، تأثير الصراع الطويل على العقل الجمعي واضح، فالأجيال التي نشأت في ظل الحرب تطورت لديها آليات نفسية للتكيف مع العنف، وأصبح العنف والتهديد أدوات مألوفة لحل النزاعات. هذا الواقع يمثل تحديًا لإعادة بناء ثقافة السلام والتعايش، ويستدعي جهودًا طويلة لإصلاح الوعي الجمعي وتعزيز قدرة المجتمع على التفاوض والحوار.
في الخلاصة، معضلة العقل السوداني في فهم الأزمة الوطنية ليست سهلة الحل. فهي تتطلب مقاربة شاملة تعيد النظر في إرث الاستعمار، وتجاوز الأيديولوجيات القسرية، وبناء ثقافة وطنية قائمة على المشاركة والعدالة، وإحياء الذاكرة التاريخية المشتركة، وتقدير الهوية المتعددة، وتعزيز ثقافة السلام. إن تجاوز هذه المعضلة يحتاج إلى وعي نقدي، وإصلاح سياسي واجتماعي مستمر، والعمل الدؤوب لإعداد جيل قادر على فهم أزماته وحلها بطرق عقلانية ومستدامة، ليصبح العقل السوداني رافدًا حقيقيًا لبناء مستقبل أفضل للبلاد.




