رأي

صفعة أمريكية للأخوان..

د.خالد تارس

 

دكتور خالد تارس

لقد كان انتظار الشعب طويلاً، وبعد أعلان وزير الخارجية الأمريكي تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كجماعة إرهابية، ضاقت الأرض، وضجت المجالس، وشاهد العالم كمية البيانات المؤيدة للقرار الامريكي، هذا القرار كان انكشافاً صريحاً وحاسماً لحقيقة ان هذا التنظيم الاسلاموي حوّل السودان إلى ساحة حرب مستمرة، وأصبح عبئاً ثقيلاً على الدولة والمواطنين، وبالتالي يلاحظ كيف وجدت هذه الخطوة صدى واسعاً بين القوى السياسية، ومنظمات المجتمع المدني وعامة الشعوب السودانية، الذين عانوا طويلاً من سياسات الحركة الاسلامية، ومن أساليبها القمعية وبرامجها المُضللة والخادعة.!

لم يكن الإخوان في السودان حزباً سياسياً كما كانوا شبكة سلطوية تتحكم في الدولة بالقوة، وتستغل مؤسساتها ومواردها لخدمة مصالح (ايدولوجية) ضيقة، و الاصرار على تمويل جماعات متطرفة تسعى لتفتيت المجتمع السوداني. لقت مضت ثلاثون عاماً من القتل والفساد والنهب الممنهج، هذه الحقبة كانت كافية لتكشف حجم الخطر الذي مثلته هذه الحركة الاسلامية على الديمقراطية والحرية في السودان، وكان الشعب السوداني شاهداً على كيف استغل الإخوان السلطة لقهر الناس وتقسيم المجتمعات طوائف وقبائل، وكيف كانوا يزرعون الفوضى ويفجرون النزاعات الداخلية، ومع النزاعات يستغلون أموال الدولة لخدمة مشروع استبدادي (ارهابي).!

ان ثورة ديسمبر المجيدة كانت لحظة غضب تاريخية، خرجت فيها الشوارع السودانية ضد الدكتاتور البشير الذي كان جزءاً من شبكة الإخوان الحاكمة، ولم تتخلى هذه الجماعة عن التحايل والمخادعة على الثورة، فسقط البشير وبقى النظام الاخواني، حتى قاموا بالانقلاب على الحكومة المدنية في 25 أكتوبر وافتعلوا صراعاً جديداً حتى حرب 15 أبريل، وفي هذه الفترة عاثوا في الارض فساداً ونشروا الفظائع، وصل بهم الحال لدرجة بقر البطون وأكل الأحشاء، هذا لم يخطر ببال احد من الناس، وبذلك هم يؤكدون على الوحشية والقمع، متجاهلين ان الشعب السوداني الذي ضحى بالغالي والنفيس لم يعد يقبل بعودة هذا التنظيم الى المشهد وفرض إرادته، ومن هنا يأتي التفاعل الهستيري والدعم الشعبي الكبير لقرار الولايات المتحدة بتصنيفهم، ولم تقل درجة التفاعل الثوري مع القرار عن يوم الاطاحة بالدكتاتور البشير.

من الواضح ان تصنيف الإخوان في السودان كجماعة إرهابية سيحد من نفوذها السياسي التنظيمي، ويضع قيوداً صارمة على مصادر التمويل التي تتغذى عليها، ويكشف أمام المجتمع الدولي والأمة السودانية حجم الفساد والتواطؤ في تدمير الدولة. اعتقد ان هذا القرار الاستراتيجي هو بمثابة تحذير صارم لكل من يعتقد أنه يمكن أن يستمر في التلاعب بالسلطة واستغلال الشعوب دون حساب. ان حقائق التاريخ السوداني واضحة بما يكفي لكشف الحركة الاسلامية التي كانت سبباً رئيسيًا في استنزاف الدولة، وتمزيق النسيج الاجتماعي، ونهب الثروات العامة، وزرع الخوف والفوضى بين المواطنين. بالتالي فإن القرار الأمريكي هو مرآة تعكس درجة الغضب الشعبي على هذه الجماعة من أطياف السودان، والتأييد الواسع لردعها، وتأكيد رغبة المجتمع المدني في القضاء على نفوذ التنظيم الاسلاموي إلى الأبد.

لقد اصبح الشعب السوداني أقوى وأكثر وعياً من اي وقت كانت الحركة الاسلامية تأمر الموظفين بالخروج من مكاتب الدولة إلى تظاهرات تناهض فيها القرارات الدولية، اليوم جاء القرار الأمريكي بمثابة ضوء يفتح الطريق لاستعادة الدولة وينهي سياسة (التمكين) والمحسوبية على المؤسسات العامة، ويؤكد أن الحرية لا تُعطى بل تُنتزع، وأن العدالة ستفرض نفسها مهما طال الزمان، وان الإخوان لم يعودوا قادرين على اللعب بأقدار السودانيين كما في سابق السنوات، وسيظل التاريخ شاهداً على ثلاثين عاماً من الفساد وسفك الدماء. لقد كان القرار الامريكي بمثابة صاعقة حقيقية على تنظيم سياسي وضع نفسه فوق القانون. هذا القرار ليس فعل دبلماسي بل صفعة مدوية لكل مُتطرف يعتقد أن القوة القمعية والفساد يمكن أن تستمر إلى الأبد، وسينهض السودان اليوم في مواجهة الماضي الأسود والسنوات الطويلة من الذل والظلم والتقسيم والبيع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!