رأي

أُوبِنْهَايْمَرُ: حِينَ يَسْبِقُ العَقْلُ قَلْبَهُ..اليَهُودِيُّ الإِنْسَانُ

د.خالد عبيد .. لندن

 

د.خالد عبيد ..لندن 

لا يولد التاريخ دفعة واحدة، بل يتسلل أحيانًا في هيئة طفل عادي، في صباحٍ لا يختلف كثيرًا عن غيره. هكذا وُلد جوليوس روبرت أوبنهايمر عام 1904 في نيويورك، مدينةٍ تعيش على الحافة الدائمة بين الحلم والقلق. لم يكن في ملامحه ما ينبئ بأنه سيصبح يومًا أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل في القرن العشرين، رجلًا جمع بين عبقريةٍ نادرة وندمٍ ثقيل لا يُرى، لكنه يُحسّ.

نشأ أوبنهايمر في بيتٍ يقدّس المعرفة أكثر مما يقدّس اليقين. لم تكن الأسئلة فيه علامة شك، بل دليل حياة. بين أبٍ يؤمن بأن الأخلاق تُبنى كما يُبنى العقل، وأمٍّ ترى في الفن طريقة لفهم الإنسان، تشكّلت شخصية تميل إلى التفكير العميق، وتخشى البساطة الساذجة. منذ وقت مبكر، بدا واضحًا أن هذا الفتى لا يكتفي بفهم الأشياء، بل يريد أن يعرف ثمنها أيضًا.

عندما اتجه إلى الفيزياء، لم يفعل ذلك بدافع المهنة أو الشهرة، بل بدافع الفضول الخالص، ذلك الفضول الذي يدفع الإنسان إلى فتح الأبواب المغلقة دون أن يسأل دائمًا عمّا قد يخرج منها. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وجد أوبنهايمر نفسه في موقعٍ لم يختره بالكامل، لكنه قبله باسم الواجب. لم يحمل سلاحًا، بل حمل معرفة قادرة على تغيير شكل الحرب، وربما شكل العالم.

في لوس ألاموس، لم يكن يعمل وحده، بل كان يقود عقولًا لامعة نحو هدفٍ واحد: تسخير الذرّة. هناك، تحوّل العلم من مساحة للتأمل إلى أداة حاسمة للدمار. وعندما نجحت التجربة، لم يكن الانتصار خالصًا، فقد وُلد معه شعور ثقيل بالمسؤولية. لم يكن الوميض الذي أضاء السماء هو ما أخاف أوبنهايمر، بل ما أدركه بعدها: أن الإنسان قد سبق إنسانيته هذه المرة.

حين سقطت القنابل على هيروشيما وناغازاكي، لم يكن أوبنهايمر في ساحة المعركة، لكنه كان حاضرًا في ضميرها. عبارته الشهيرة: «الآن أصبحتُ الموت، مدمّر العوالم» لم تكن تفاخرًا، بل لحظة وعي قاسٍ، اعتراف رجل أدرك أن المعرفة، حين تنفصل عن الحكمة، قد تتحول إلى عبء لا يُحتمل.

لم تمنحه الدولة التي خدمها طمأنينة طويلة. ماضي زوجته السياسي، ومواقفه المتحفظة لاحقًا من سباق التسلح، جعلاه موضع شك. هكذا انتقل من موقع البطل إلى خانة المتهم، في مفارقة تلخّص قسوة العلاقة بين السلطة والعقل الحر. عاش أوبنهايمر تلك المرحلة بهدوء ظاهري، لكن بثمنٍ داخلي باهظ.

رحل عام 1967، بعد حياة لم تهدأ فيها الأسئلة. مات الرجل، وبقيت القنبلة، شاهدة على لحظة قرر فيها الإنسان أن يعرف أكثر مما ينبغي. في سيرة أوبنهايمر، لا نجد قصة عالمٍ فقط، بل قصة إنسانٍ أدرك متأخرًا أن أعظم الاكتشافات لا تُقاس بقوتها، بل بقدرة البشر على تحمّل نتائجها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!