
أبو عبد الله الراشدي
الأمم لا تنهض بتغيير الوجوه، بل بتغيير القواعد التي تصنع الفشل وتعيد إنتاجه
ليس ما يعيشه السودان اليوم قدراً مفاجئاً، ولا نتيجة أخطاء طارئة، بل هو حصيلة سبعة عقود من إدمان الفشل، كرّستها نخب سياسية واجتماعية لعبت دور وكلاء الاستعمار أكثر مما مثّلت إرادة الشعب. فمنذ ما سُمّي بالاستقلال، ظلّت الدولة تُدار بعقلية الوصاية، لا بعقلية التحرر، وتحوّل القرار الوطني إلى رهينة بيد قلة احتكرت السلطة والثروة والمعرفة، وأعادت إنتاج نفسها بأسماء وشعارات مختلفة.
إن ما يُعرف بالاستقلال، والذي تحوم حوله كثير من الشبهات، لم يؤسس لدولة حقيقية، بل سلّم إدارة البلاد لنخب لم تمتلك مشروعاً وطنياً، ولا رؤية لبناء دولة مواطنة. فخرج الاستعمار من الباب، ليعود عبر الوكلاء، وعبر دولة هشة فاقدة للسيادة الفعلية، وجيش صنيعة استعمارية بلا عقيدة قتالية وطنية، صُمم ليحمي السلطة لا الوطن، وليقمع الداخل لا أن يدافع عن الحدود.
هذا الجيش، الذي لم يُبنَ على أساس وطني جامع، ظل أداة في يد النخب الحاكمة، ومعبراً لتدخلات خارجية، وعلى رأسها الارتهان المزمن للدولة المصرية. فبدلاً من بناء علاقة ندّية قائمة على المصالح المشتركة، اختارت النخب السودانية التبعية السياسية والأمنية، ما أضعف القرار السيادي، وعمّق هشاشة الدولة، وأفقدها القدرة على إدارة تنوعها وصراعاتها الداخلية.
ومع ضعف الدولة، ضعفت الأحزاب. لم تنشأ قوى سياسية حديثة تعبّر عن المجتمع، بل تنظيمات نخبوية معزولة، تمركزت في العاصمة، واحتقرت الهامش، وتعاملت مع السلطة كغنيمة لا كمسؤولية. وهكذا، تحوّل الصراع السياسي إلى صراع صفري، وأصبحت الحروب وسيلة لإعادة توزيع النفوذ، لا فشلاً يجب تجاوزه.
كل هذه العوامل قادت إلى ما نراه اليوم: حروب متناسلة، صراعات بلا أفق، دمار شامل، وانسداد في الأفق الوطني. والأخطر من ذلك أن ذات الذهنية التي صنعت الفشل لا تزال حاضرة، تحاول تدوير نفسها بطرائق مختلفة، تارة باسم الحفاظ على الدولة، وتارة باسم الاستقرار، وتارة باسم الواقعية السياسية.
لكن الحقيقة الواضحة هي أن لا حل لأزمات السودان المتراكمة دون إعادة تعريف الدولة نفسها. دولة لا تقوم على الامتيازات، ولا على العرق أو الجهة أو العقيدة، بل على المواطنة المتساوية. دولة يُعاد تأسيسها على أسس العدالة، والاعتراف بالتنوع، وبناء جيش وطني بعقيدة قتالية تحمي الشعب لا السلطة، وسياسة خارجية مستقلة لا مرتهنة.
إن الخلاص لا يأتي من ترقيع القديم، بل من القطع معه، وبناء دولة جديدة بعقد اجتماعي جديد، يضع الإنسان السوداني في قلب المعادلة، لا على هامشها.




