
عباس أحمد السخي
في لحظة وطنية فارقة، جاء خطاب معالي رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي ردًّا على ما سُمِّي بـ«مبادرة كامل إدريس»؛ خطابًا كثيف الدلالات، واضح المواقف، حاسم الاتجاهات، أعاد فيه تعريف السياسة بوصفها التزامًا أخلاقيًا تجاه معاناة الشعوب، لا تمرينًا لغويًا للمراوغة وكسب الوقت. لم يكن الخطاب ترفًا بل ضرورة، ولم يكن ردًّا انفعاليًا بل تفكيكًا عقلانيًا لمشروع قديم يتخفّى في ثوب جديد.
أول ما كشفه خطاب التعايشي هو جدّية حكومة السلام والوحدة في مقاربة ملف الحرب والسلام، بوصفه استحقاقًا تاريخيًا لا يقبل التسويف. فقد أكّد، بوضوح لا لبس فيه، أن السلام المنشود لا يُبنى على أوهام الغلبة ولا على صفقات النخب الضيقة، بل على مساومة تاريخية كبرى تعبّر عن وجدان ورغبة الشعوب السودانية بكل تنوّعها. هذه المساومة ليست تنازلًا عن الحقوق، وإنما تأسيسٌ لعقد وطني جديد يُنهي جذور الصراع ويؤسس لوحدة قائمة على العدالة والاعتراف المتبادل.
الخطاب، في جوهره، وضع حدًّا لمحاولات تمييع المفاهيم. فقد ميّز بين السلام الحقيقي الذي يتطلب شجاعة سياسية وقرارات صعبة، وبين «مبادرات» غير واقعية تُصاغ بلغة مايعة بينما هدفها الفعلي استدامة الحرب وإعادة إنتاج السلطة القديمة. ومن هنا اعتبر مبادرة كامل إدريس انما «خمرة قديمة في قناني جديدة»؛ مشروعًا استعلائيًا تجاوزه الواقع، ولا يرى في معاناة الملايين سوى تفصيل عابر في معادلات السيطرة.
الأهم أن خطاب رئيس الوزراء عرّى ألاعيب جماعة الإخوان المسلمين، وكشف منهجهم الثابت القائم على المراوغة والالتفاف على استحقاقات السلام. فهذه الجماعة، كما أشار الخطاب، لم تُبدِ في أي محطة استعدادًا حقيقيًا لإنهاء الحرب، بل ظلت تراهن على الزمن والدمار لخلق ظروف تمكّنها من العودة إلى سدة الحكم عبر بوابة الفوضى. إن الإصرار على إدامة الصراع ليس خطأ في التقدير، بل استراتيجية واعية تتغذّى على معاناة الشعب.
وفي هذا السياق، حمل الخطاب رسالة صريحة إلى المجتمع الدولي، محذرًا من الانسياق وراء خطاب الإخوان المضلِّل. فقد شدّد معالي رئيس الوزراء على أن مسؤولية المجتمع الدولي—وفي مقدمته الرباعية (الولايات المتحدة، الإمارات، السعودية، مصر)، إلى جانب الأمم المتحدة ومجلس الأمن—لا تقف عند حدود البيانات، بل تتطلب ممارسة أقصى الضغوط على جماعة بورتسودان لتنفيذ الخطة المحكمة التي قدّمتها الرباعية، بوصفها إطارًا عمليًا لإنهاء الحرب والانتقال إلى مسار سياسي جاد.
ولعلّ من أكثر ما يميّز خطاب التعايشي هو المزاوجة بين الحزم والمرونة؛ إذ أعلن بوضوح قبول حكومة «تأسيس» الدخول في هدنة تعقبها مفاوضات جادة لإنهاء الحرب. هذا الإعلان لم يكن تراجعًا، بل تعبيرًا عن ثقة سياسية بأن السلام العادل لا يخشى التفاوض، وأن من يملك مشروعًا وطنيًا حقيقيًا لا يخاف من اختبار النوايا على طاولة الحوار.
كما أن الخطاب أعاد الاعتبار إلى مركزية الإنسان السوداني في المعادلة السياسية. فالمعيار، كما أكّد، ليس ما يرضي هذه الجماعة أو تلك، بل ما يخفف معاناة النازحين واللاجئين، ويوقف نزيف الدم، ويعيد للدولة معناها بوصفها حامية للمواطن لا أداة لقهره. هنا يتجلّى الفرق بين خطاب دولة وخطاب جماعة، وبين رؤية مستقبل ورهانات ماضٍ مُتهالك.
إن ما قدّمه معالي رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي ليس مجرد ردّ على مبادرة، بل وثيقة سياسية وأخلاقية تؤسس لمرحلة جديدة. خطاب الحقيقة والمصارحة، هكذا وضع النقاط على الحروف، وسمّى الأشياء بأسمائها، وأعاد توجيه البوصلة نحو السلام العادل والوحدة المستدامة. وهو، قبل كل شيء، نداءٌ مفتوح للسودانيين وللعالم: أن زمن الخداع قد انتهى، وأن السودان يستحق مسارًا يليق بتضحيات شعبه، لا وصفات مُعلّبة تعيد إنتاج المأساة.




