
نجم الدين دريسة
لم تعد الحروب في عالمنا المعاصر تُدار في ساحات القتال وحدها، بل انتقلت معركتها الأخطر إلى فضاء السرديات. فالرصاصة وحدها لم تعد كافية، إذ بات من الضروري أن تُرافقها قصة، وخطاب، ومنصة إعلامية تُعيد ترتيب الوقائع بما يخدم مشروعًا سياسيًا بعينه. وفي قلب هذا المشهد، تتحوّل المأساة الإنسانية من حدثٍ يستوجب الفهم والمساءلة، إلى أداة تُستثمر ببرود في سوق المصالح.
إن ما نشهده اليوم من ارتباك في الوعي العام ليس نتاج الصدفة، بل نتيجة فعلٍ منظم تقوده قوى الردّة بأشكالها المختلفة: جيش البازنقر الذي ورث العنف كعقيدة، وأصحاب الامتيازات التاريخية الذين يخشون أي تفكيك لبنية السلطة القديمة، وجماعات الهوس الديني التي تُغلف الاستبداد بخطاب مقدس، إضافة إلى شبكات الارتزاق المسلح التي لا ترى في الحرب سوى فرصة للربح وإدامة الفوضى. هذه القوى، رغم تناقضاتها الظاهرية، تلتقي عند هدف واحد: إبقاء المجتمع في حالة تشويش دائم.
تعمل هذه المنظومة على إدارة الحرب بوصفها خطابًا بقدر ما هي سلاح. فتُضخّم مآسٍ بعينها، وتُخفي أخرى، وفق معيار المنفعة لا العدالة. لا يُرفع صوت الضحية لأنه مظلوم، بل لأنه صالح للتوظيف. وهنا يصبح الألم مادةً خامًا لإعادة إنتاج النفوذ. وكما قيل:
«أخطر أشكال السيطرة هي تلك التي تُمارس باسم الضحية».
في هذا السياق، لا يُستدعى الضمير الإنساني إلا حين يخدم إعادة تموضع سياسي أو إعادة شرعنة لعنفٍ قديم في ثوبٍ جديد. تُصاغ السرديات بعناية، وتُقدَّم للرأي العام في قالبٍ عاطفي كثيف، يُعطّل التفكير النقدي، ويدفع الجماهير إلى الانفعال بدل الفهم. ومع الوقت، يصبح السؤال عن الجذور خيانة، وعن السياق تبريرًا، بينما يُكافأ الاصطفاف الأعمى بوصفه موقفًا أخلاقيًا.
غير أن الحقيقة التي تحاول قوى الردّة طمسها، هي أن الحروب لا تنشأ من فراغ، ولا تستمر بلا مستفيدين. فالعنف الذي نراه اليوم هو امتداد تاريخي لبنية سلطة لم تُفكَّك، وامتيازات لم تُمس، وأدلجة دينية حوّلت السياسة إلى معركة خلاص وهمي. وكما قال الفيلسوف حنّة آرندت:
«أخطر أشكال الشر هو ذاك الذي يُمارَس بلا تفكير».
وهذا بالضبط ما تراهن عليه هذه القوى: أن يتوقف الناس عن التفكير، وأن يكتفوا باستهلاك الصور والروايات الجاهزة.
إن جيش البازنقر، ومن يدور في فلكه، لم يكن يومًا حارسًا للوطن، بل حارسًا لمنظومة الامتياز. وجماعات الهوس الديني لم تدخل السياسة بحثًا عن العدالة، بل لتأبيد الهيمنة تحت لافتة العقيدة. أما جماعات الارتزاق المسلح، فهي الوجه العاري لاقتصاد الحرب، حيث يتحوّل الدم إلى دخل، والفوضى إلى مشروع مستدام.
وسط هذا الضجيج، تُغرق المجتمعات في تفاصيل الألم، وتُسحب منها القدرة على طرح السؤال الأخطر: من أشعل الحرب؟ ولماذا يُراد لها أن تستمر؟ إن الانشغال الدائم بالنتائج، دون مساءلة الأسباب، ليس بريئًا، بل هو أحد شروط إطالة أمد الصراع. فالحرب، كما تُدار اليوم، ليست فقط مواجهة بالسلاح، بل عملية ممنهجة لإرباك الوعي وتفكيك البوصلة الأخلاقية.
وكما يقول نعوم تشومسكي:
«الدعاية في الديمقراطيات تؤدي الدور نفسه الذي تؤديه العصا في الأنظمة الشمولية».
وحين تتوحّد الدعاية مع السلاح، يصبح المجتمع محاصرًا من الخارج والداخل معًا.
إن ما يحتاجه الناس اليوم ليس مزيدًا من الخطب الحماسية ولا السرديات الانتقائية، بل استعادة العقل النقدي، والقدرة على رؤية المشهد كاملًا دون تجزئة متعمدة. فالتعافي لا يبدأ من اختيار معسكر في الحرب، بل من فضح من حوّل الحرب إلى أداة لإعادة إنتاج الردّة بأقنعتها المتعددة.
الخروج من هذا النفق يبدأ حين ندرك أن المأساة لا تُختزل في صورة، ولا تُفهم عبر خطاب واحد. بل تُفهم حين نعيد ربط الألم بجذوره، ونسمّي الأشياء بأسمائها، وندرك أن أخطر ما في الحرب ليس دمار المدن فقط، بل نجاح قوى الردّة في سرقة الوعي، مرةً أخرى.




