
الخبير الامني والاستراتيجي د. مجدي شرف
يمثّل شرق السودان أحد أهم مفاتيح الفهم الاستراتيجي لمستقبل الدولة السودانية، ليس فقط لما يختزنه من موارد طبيعية وموقع جغرافي بالغ الحساسية، وإنما لدوره المحوري في معادلة الأمن القومي السوداني ككل. فالإقليم المطل على البحر الأحمر، والحاضن للموانئ الرئيسية وخطوط التجارة والطاقة، ظل لعقود طويلة خارج الحسابات العادلة لمركز القرار، رغم أنه يشكّل شريانًا حيويًا لبقاء الدولة واستقرارها.
في هذا السياق، تكتسب كلمة الزعيم إبراهيم عبدالله (دنيا)، قائد قوات تحرير شرق السودان، أهمية خاصة، إذ جاءت لتعلن – بوضوح غير مسبوق – سقوط واحدة من أخطر السرديات العنصرية مثل: نظرية “النهر والبحر”، التي تقوم على احتكار الجغرافيا والسلطة والثروة لصالح مجموعات بعينها، وإقصاء بقية الأقاليم تحت غطاء دولة مركزية هشة.
من منظور الأمن القومي، فإن إعلان شرق السودان خروجه من معادلة الحرب الدائرة في البلاد يشكّل نقطة توازن استراتيجية بالغة الأهمية. فالإقليم، بحكم موقعه، كان يمكن أن يتحول إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوح، لكن الموقف المعلن يقطع الطريق أمام عسكرة الشرق، ويحافظ على أحد أهم خطوط الإمداد والاقتصاد الوطني بعيدًا عن الفوضى. وهذا في حد ذاته انتصار للعقل الاستراتيجي على منطق الاستنزاف الشامل الذي يهدد بقاء الدولة.
كما أن التأكيد الصريح على أن شرق السودان مع وقف الحرب والمصالحة الوطنية الشاملة يضع خطاب السلام في قلب معادلة الأمن، لا في هامشها. فالأمن القومي، في جوهره، لا يُختزل في السلاح وحده، بل في الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وفي بناء عقد وطني يحد من دوافع التمرد والعنف. ومن هذه الزاوية، فإن خطاب (دنيا) يقدّم نموذجًا لكيف يمكن للهامش أن يغلب طاولة الصراع في البلاد وبناء ركيزة للاستقرار الوطني.
أما على مستوى وحدة السودان، فقد وجّه الخطاب ضربة مباشرة لنظرية “النهر والبحر” بوصفها طرحًا عنصريًا يهدد تماسك الدولة. فالوحدة التي يدافع عنها شرق السودان ليست وحدة القهر والهيمنة، بل وحدة قائمة على أسس جديدة: العدالة، والتنوع، وتقاسم السلطة والثروة. هذا الطرح يعيد تعريف مفهوم الوحدة من منظور استراتيجي، باعتبارها شرطًا للأمن القومي، لا شعارًا أيديولوجيًا فارغًا.
وفي هذا الإطار، فإن التحذير من أن استمرار الإقصاء قد يدفع الأقاليم إلى خيارات بديلة، لا يُقرأ كدعوة للتفكك، بل كإنذار مبكر للدولة السودانية: إما إعادة بناء نفسها على أسس شاملة، أو مواجهة مخاطر التفكك الذاتي. وهي معادلة معروفة في دراسات الأمن القومي، حيث تُعد العدالة الداخلية أحد أهم خطوط الدفاع عن وحدة الدول متعددة الأعراق والثقافات.
كما أن التذكير بثروات الشرق – من موانئ وغاز وذهب وموارد بشرية – مقرونًا بمعاناة إنسانه، يفضح الاختلال الهيكلي في إدارة الموارد، ويؤكد أن التهميش ليس مجرد مسألة تنموية، بل تهديد استراتيجي طويل المدى. فالدول التي تفشل في تحويل مواردها إلى رفاه واستقرار لمواطنيها، تفتح الباب أمام الأزمات والنزاعات المزمنة.
خلاصة القول، إن خطاب شرق السودان، كما عبّر عنه القائد إبراهيم عبدالله (دنيا)، لا يمثّل موقفًا جهويًا ضيقًا، بل رؤية وطنية من زاوية الأمن القومي الشامل. لقد تلقّت نظرية “النهر والبحر” هزيمتها الأخيرة، لأنها عجزت عن إنتاج دولة موحدة أو أمن مستدام. والطريق إلى سودان موحد يسع الجميع يبدأ بالاعتراف بالأقاليم كشركاء في الوطن، لا هوامش تُدار بالأزمات. وفي هذا المعنى، فإن شرق السودان لا يدافع عن نفسه فقط، بل يقدّم إحدى آخر الفرص لإنقاذ الدولة السودانية.




