رأي

تحرير اللغة من قبضة النظام مقالات د مادبو أنموذجا.

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

كلما عجزت الدولة عن تسمية الفساد فسادا والسلطة سلطة والتواطؤ تواطؤا لجأت إلى أخطر ما تملكه تجريم الكلام لا بالقانون وحده بل بالأخلاق كلما استُعملت كسلاح سياسي جعل السؤال تهمة والتحليل جريمة والتسمية اعتداء على ما يسمى زورا القيم

الهجوم الذي استهدف مقال د مادبو لم يكن دفاعا عن النساء كما حاول البعض الادعاء بل دفاعا عن دولة تخاف تسمية الأشياء بمسمياتها دولة لا تحتمل أن يقال إن الزواج استعمل في سياقات بعينها كأداة حماية سياسية وإن الطاعة النسوية تحولت إلى رأس مال داخل منظومة الحكم وإن العلاقات الخاصة صارت جزءا من هندسة الفساد هذه ليست إهانات شخصية بل توصيفات سياسية ومن يخاف التوصيف يخاف المساءلة

لم يناقش المهاجمون الفكرة لأن مناقشتها تعني الاعتراف بأن الدولة تُدار بعلاقات لا بمؤسسات وأن الحماية تُشترى ولا تُستحق وأن الولاء يُكافأ بالصمت لا بالكفاءة لذلك اختصروا المشهد كله في امرأة وعدد زيجات وسردية قذف رخيصة هذا ليس سوء فهم عابرا بل سياسة تجريم مكتملة كلما ضاقت السلطة تقزم النقاش وكلما تحاصرت تحول اللغة نفسها إلى ملف اتهام

المقال لم يهن النساء بل فضح المنظومة التي تهينهن لكنه اصطدم بجدار الصمت المفروض حول ما لا يجوز قوله أن بعض النساء لم يمكن لأنهن الأكفأ بل لأنهن الأكثر امتثالا وأن النظام الأبوي لا يعاقب المرأة القوية مباشرة بل يستثمر في طاعتها أولا ثم يتخلى عنها كلما تحولت إلى عبء سياسي هذا هو الجرم الحقيقي لا الحديث عنه

وفي خضم هذا الاشتباك يصبح من الضروري إعادة تثبيت موقع النساء خارج ثنائية الضحية أو الاتهام فالمرأة التي تقف في مواجهة نظام سلطوي لا تفعل ذلك من هامش المشهد بل من قلبه وهي تدرك أن ثمن المواجهة لا يكون سياسيا فقط بل اجتماعيا ورمزيا مضاعفًا فالسلطة لا تكتفي بقمع الصوت المعارض بل تسعى إلى كسره أخلاقيا وتحويل تجربته إلى مادة تشهير خاصة كلما كانت المواجهة نسوية في جوهرها لذلك فإن تسمية هذا العنف ورفض المشاركة فيه هو في حد ذاته فعل نصرة للنساء لا تعاطفا عابرا

وفي هذا الإطار لا تقرأ مقالات د مادبو بوصفها دفاعا عن أشخاص أو وقائع بعينها بل كجهد توعوي يسهم في تحرير اللغة من قبضة النظام ويعيد الاعتبار للوعي بوصفه أداة مقاومة فالكتابة التي تفضح تجريم السؤال وتعرّي توظيف الأخلاق كسلاح سياسي تمنح النساء وغيرهن من الفاعلين مساحة نادرة للوقوف في مواجهة السلطة دون أن ينزعن من إنسانيتهن أو يختزلن في حياتهن الخاصة

الدولة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها إلا عبر أجساد النساء دولة ساقطة أخلاقيا قبل أن تكون فاشلة سياسيا والدولة التي تحول الحياة الخاصة إلى درع ثم إلى سكين لا يحق لها الحديث عن القيم فالقيم لا تستدعى فقط كلما هددت السلطة ولا تستخدم لطمس الأسئلة الجوهرية حول بنية الحكم ومسؤولياته

التجريم هنا ليس قانونيا فقط بل سياسي بامتياز تجريم السؤال تجريم التسمية تجريم التفكيك

ومن يجرم الكلام باسم الأخلاق إنما يحمي نفسه من المحاسبة ولذلك جاء الهجوم هستيريا لا عقلانيا لأنه رد فعل منظومة تدرك أنها مكشوفة وأن قدرتها على الإقناع قد تآكلت فلم يتبق لها سوى التشهير

الأخطر من الهجوم ذاته هو محاولته إعادة تأديب المجال العام وبعث رسالة واضحة لكل من يفكر في التحليل أو النقد احذر سنسحبك من مستوى الفكرة إلى مستنقع السمعة وهذا التهديد لا يستهدف د الوليد وحده بل كل صوت يجرؤ على كسر الصمت وكل امرأة ترفض أن تكون أداة أو غطاء أو كبش فداء

لن نعتذر عن تسمية الأشياء بمسمياتها

ولن نخجل من تفكيك السلطة حيث تختبئ

ولن نقبل أن تدار الدولة بمنطق العائلة ولا أن تحمى بالصمت ولا أن تقدس عبر تجريم السؤال

الدولة التي تخاف اللغة دولة تجرم الحقيقة

والسلطة التي لا تواجه الفكرة إلا بالتشهير سلطة فقدت شرعيتها قبل أن تفقد احترامها

وهذه معركة وعي لا معركة سمعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!