رأي

بين الحلم والبطء: لماذا تتعثر حكومة تأسيس في سباق الزمن؟

محمد احمد قرقر

 

 محمد أحمد قرقر

اتجهت أنظار غالبية الشعب السوداني، في الداخل والشتات، نحو حكومة تأسيس الوليدة باعتبارها بارقة أمل ومخرجًا تاريخيًا من نفق الحرب والانهيار. فقد رآها كثيرون تجسيدًا لحلم الدولة التي طال انتظارها، ودولة السلام والوحدة الوطنية التي تضع حدًا لسنوات الدم والتمزق. غير أنّ هذا الأمل الكبير يصطدم اليوم بسؤال ملحّ يفرض نفسه بقوة: لماذا كل هذا البطء؟

إن الغريزة الإنسانية، بطبيعتها، لا تحتمل الفراغ ولا الغموض. وحب الاستطلاع، الممزوج بالعطش إلى الأمان والاستقرار، يدفع المواطنين إلى البحث عن الأسباب التي تعيق استكمال هياكل حكومة تأسيس، وتمنعها من أداء دورها الطبيعي في حماية الشعب، وتقديم الخدمات الضرورية، ورسم التوجهات الكبرى للدولة في قضاياها المصيرية داخليًا وخارجيًا. فالمرحلة الراهنة لا تحتمل التراخي، ولا تقبل إدارة المشهد بعقلية الانتظار.

الواقع الموضوعي يفرض على حكومة تأسيس الإسراع في سد النقص المؤسسي، واستكمال بنيتها التنفيذية والتشريعية والأمنية، حتى تتمكن من فرض وجودها السياسي والقانوني. كما يتعين عليها أن تتقدم بثقة إلى الساحتين الإقليمية والدولية، ممثلة في الاتحاد الإفريقي، والإيقاد، والأمم المتحدة، ومجلس الأمن، لتنتزع موقع السودان الطبيعي الذي حُرم منه. فهي، من حيث المبدأ، الأحق بالتمثيل، لأنها حكومة السلام والوحدة الوطنية، ولا تحمل إرثًا عدائيًا أو سجلًا مثقلًا بالانتهاكات.

غير أن المشكلة لا تكمن فقط في بطء التكوين، بل في طبيعة الأداء ذاته. فالاكتفاء بالنشاط السياسي والإعلامي، مع إغفال الجوانب الخدمية والاجتماعية والأمنية، يؤدي حتمًا إلى حالة من الملل وتكرار الخطاب، بعيدًا عن اهتمامات المواطن البسيط. هذا المواطن لا يبحث عن البيانات وحدها، بل يتطلع إلى فتح المدارس، وتأمين الأحياء، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الصحية والمعيشية، وإشعاره بأن هناك سلطة قريبة منه، تشاركه همومه وتخاطبه بصدق.

إن طول أمد الحرب ألقى بظلاله الثقيلة على المجتمع السوداني، فتدهور مستوى المعيشة إلى حدٍ غير مسبوق، وأصبح المواطن يقضي جل يومه في السعي لتأمين أساسيات البقاء. في مثل هذا السياق، يصبح الحديث السياسي المجرد ترفًا لا يحتمله الواقع، ما لم يُترجم إلى أفعال ملموسة تخفف من معاناة الناس.

من هنا، فإن التحدي الأكبر أمام حكومة تأسيس هو الانتقال من مربع الانتظار إلى مربع المبادرة. عليها أن تكون صاحبة الخطاب الأول، لا رديفًا لخطابات الآخرين، وأن تكشف للرأي العام المحلي والدولي ممارسات حكومة بورتسودان من قتل وتشريد وحرمان، بلغة موثقة ومسؤولة. فالعالم الحر لا ينتظر المبررات، بل ينتظر أفعالًا تثبت الجدية والقدرة على الحكم.

إن الإسراع في استكمال الهياكل، والانفتاح على المواطن، وتبني سياسات واضحة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، هو الطريق الوحيد للحفاظ على ثقة الشعب. فذلك الشعب، الذي حُرم كثيرًا، لا يزال يتشبث بالأمل، لكنه لن ينتظر إلى ما لا نهاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!