
د. موسى الامين حمودة
برغم الجهود المضنية التي تبذلها هيئة الوصول الإنساني بحكومة التأسيس، والوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية، وجمعية الهلال الأحمر، إلى جانب عدد من المنظمات الوطنية والعالمية العاملة في إقليم دارفور، لا يزال الواقع الإنساني في ولاية شرق دارفور يواجه تحديات جسيمة. وتأتي في مقدمة هذه التحديات العراقيل التي تفرضها سلطة بورتسودان على عمل المنظمات والوكالات والهيئات الأممية، مما أدى إلى تعطيل تنفيذ مشروعات إنسانية حيوية في الإقليم.
وتشير مؤشرات عام 2026م إلى وضع مقلق، حيث لم تحظَ ولاية شرق دارفور بأي من مشروعات الأمم المتحدة المنفذة عبر وكالاتها المختلفة، بما في ذلك منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أو المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. ويأتي هذا الحرمان في وقت تشهد فيه بقية ولايات دارفور تدخلات إنسانية متفاوتة، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول معايير العدالة والإنصاف في توزيع الدعم الإنساني.
ولم يقتصر هذا الإقصاء على قطاعات الحماية أو التعليم والصحة فحسب، بل امتد ليشمل القطاعات الأكثر إلحاحاً، وعلى رأسها الزراعة والأمن الغذائي. فعلى الرغم من الإعلان عن مشروعات كبيرة كان من المقرر تنفيذها عبر صندوق العون الإنساني بالسودان (SHF) للعام 2026م، لم يتم اعتماد أو تنفيذ أي مشروع في ولاية شرق دارفور، ما حرم المجتمعات المحلية من تدخلات كان يُعوَّل عليها في تخفيف حدة الجوع، ودعم سبل كسب العيش، وتعزيز قدرة السكان على الصمود في وجه الأزمات المتلاحقة.
وبرغم ذلك، تواجه بعض المنظمات المحلية والوطنية تعقيدات بيروقراطية كبيرة من سلطة بورتسودان تعيق حصولها على مشروعات لتنفيذها داخل الولاية، إلى جانب القيود المفروضة على التحويلات البنكية أو التعقيدات المصاحبة لها، وهو ما يحدّ بشكل مباشر من قدرتها على الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة، حتى في الحالات التي تتوفر فيها الجاهزية الميدانية والخبرة المحلية.
ويتسم العمل الإنساني بطبيعته بالتشبيك والتنسيق مع مختلف الفاعلين على الأرض، وهو أمر قد يختلط فهمه لدى البعض أو يُساء تفسيره أحياناً. غير أن العمل الإنساني يظل عملاً حساساً تحكمه مبادئ إنسانية راسخة، ولا تحدّه الجغرافيا أو السياسات أو التوجهات السياسية. فالمنظمات الإنسانية تعمل في مناطق النزاعات المسلحة، وفي خطوط المواجهة الأمامية، وتسعى إلى تقديم الخدمات الإنسانية والإغاثية للمحتاجين دون تمييز، سواء كانوا في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع أو القوات المسلحة، مع التزامها في الوقت ذاته باحترام السياسات والإجراءات المعمول بها لدى كل سلطة أو حكومة قائمة، بما لا يتعارض مع مبادئ الحياد والاستقلالية.
إن استمرار استبعاد شرق دارفور من تدخلات وكالات الأمم المتحدة وصندوق العون الإنساني، إلى جانب التضييق على المنظمات الوطنية، ينذر بتفاقم المعاناة الإنسانية، ويهدد بانهيار الخدمات الأساسية، لا سيما في الجوانب الصحية والزراعية، في ظل أوضاع أمنية واقتصادية بالغة التعقيد. كما يعكس هذا الواقع تهميشاً ممنهجاً لا يمكن فصله عن السياق السياسي العام، حيث تُستخدم الإجراءات الإدارية والقيود البيروقراطية كأدوات لحرمان مناطق بعينها من حقها المشروع في الدعم الإنساني.
إن إنصاف ولاية شرق دارفور لا يتحقق عبر البيانات أو الوعود، بل يتطلب تحركاً عاجلاً وجاداً من المجتمع الدولي، ومراجعة شفافة لسياسات الوصول الإنساني، وضمان عدم إخضاع العمل الإنساني للاعتبارات السياسية. فاستمرار هذا الوضع لا يعني سوى مزيد من المعاناة للمدنيين الأبرياء، وضياع فرص حقيقية لإنقاذ الأرواح وبناء الحد الأدنى من الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق السودان هشاشة.




