رأي

من هو عمسيب حتى يهدد قبائل شرق السودان ويخيرها بين الاستيعاب والحرب (!!؟؟)

عباس احمد السخي

 

عباس أحمد السخي

نشر المدعو عبدالرحمن عمسيب على منصة تيك توك يتناول فيه الرؤية الرافضة للحرب الداعية للسلام التي طرحها الزعيم إبراهيم عبدالله دنيا امام جموع غفيرة من قبائل شرق السودان جميعها تؤيد مشروع وقف الحرب وتحقيق السلام؛ جاء حديث ابراهيم دنيا في لحظة تاريخية بالغة التعقيد يمر بها السودان، ومع ذلك تتكاثر الأصوات المعتوهة التي لا ترى في الأزمة الوطنية سوى فرصة لبث الكراهية وإحياء خطاب التفوق العرقي والاستعلاء الثقافي، ومن بين هذه الأصوات كان صوت المدعو عبدالرحمن عمسيب، الذي لم يجد حرجًا في تهديد قبائل شرق السودان، ووضعها بوقاحة مدهشة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما “الاستيعاب” تحت سلطته، أو الحرب. وهو طرح لا يمكن قراءته إلا باعتباره تعبيرًا صريحًا عن عقلية عنصرية مريضة، تمثل وبالًا حقيقيًا على السودان ووحدته ومستقبله.

إن العنصرية، في أي زمان ومكان، ليست مجرد رأي شاذ، بل مشروع هدم للدولة والمجتمع معًا، وحين تصدر من شخصيات تسعى للانتشار عبر المنصات الرقمية، فإن خطرها يتضاعف، لأنها تخاطب الغرائز وتستثمر في الجهل والاحتقان. وما صدر عن عمسيب ليس رأيًا سياسيًا ولا موقفًا فكريًا، بل تهديد سافر لقبائل كاملة، لها تاريخها وكرامتها وإسهامها الأصيل في بناء السودان والدفاع عنه.

إن قبائل شرق السودان التي يتحدث عنها عمسيب بهذا الصلف والاستعلاء، هي ذات القبائل التي أنجبت الأمير عثمان دقنة، أحد أبرز قادة الثورة المهدية، والرجل الذي كسر شوكة المربع الإنجليزي، ودوّن اسمه في سجل المقاومة الوطنية بمداد من دم وتضحيات. وهي القبائل نفسها التي شكّلت الظهير الأيمن لحروب التحرير الأولى إبان الثورة المهدية، وخاض رجالها أشرس المعارك ضد الاستعمار البريطاني، حين كان كثيرون يلوذون بالصمت أو التواطؤ.

الشرق الذي يستصغره المدعو عمسيب، كان له القدح المعلى في تحرير السودان، لا من باب الادعاء، بل بشهادة التاريخ والوقائع. شرق السودان لم يكن هامشًا في معركة الاستقلال، بل كان قلبًا نابضًا بالمقاومة، وسياجًا متقدمًا في مواجهة الغزاة. ومن هنا يبرز سؤال جوهري لا يمكن القفز عليه: من هو عمسيب حتى يهدد قبائل شرق السودان؟ وما الذي يمنحه الجرأة ليضع مكونات اجتماعية عريقة بين خيار المواجهة أو “الاستيعاب”؟

ثم ما هو المؤهل الأخلاقي أو المعرفي الذي يخول لأمثال عبدالرحمن عمسيب حق “استيعاب” الآخرين تحت سلطته وسلطانه؟ أي منطق هذا، وأي زمن نعيش فيه، حتى يصبح الاستعلاء خطابًا، والوقاحة مشروعًا، والتهديد رأيًا يُتداول؟ إنها حقًا مهازل عصر غاب فيه الحق، وضاعت الأمانة، واختلطت المفاهيم حتى صار المتطاول متحدثًا، والعنصري وصيًا على الوطن.

إن حديث عمسيب، المنشور على منصته في “تيك توك”، لا يمثل إهانة لأبناء شرق السودان وحدهم، بل هو إهانة بالغة لكل أهل السودان، لأنه يعيد إنتاج العقلية التي قادت البلاد إلى هذه الحرب المدمرة. لغة الاستعلاء، والعقلية الفوقية، واستحقار الآخرين، والسعي إلى استتباعهم بالقوة أو التهديد، هي الأسباب المباشرة لما نعيشه اليوم من تمزق ودمار وانهيار.

وعليه، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تقتضي من كل الحريصين على سلامة السودان وأمنه ووحدته، أن يقفوا موقفًا واضحًا وحاسمًا ضد هذا الخطاب، وأن يضربوا على يد هذا المدعو عمسيب، لا دفاعًا عن شرق السودان فحسب، بل دفاعًا عن فكرة السودان نفسها: وطن يتسع للجميع، لا مزرعة لعنصريين، ولا ساحة لخطابات الكراهية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!