
عبد الرحمن أبو رندة.. بنسلفانيا
يشهد جنوب الخرطوم واحدة من أكثر لحظاته قسوة، مع اتساع حملات إزالة المساكن التي طالت آلاف الأسر خلال الأسابيع الماضية، مخلفة موجة تشريد غير مسبوقة في قلب العاصمة. ما جرى لا يمكن اختزاله في إجراءات تنظيمية أو حملات تخطيط عمراني، بل يعكس واقعاً أشد قتامة، حيث يُدفع المواطنون العزل ثمن سياسات قهرية في لحظة وطنية بالغة الهشاشة.
وفقاً لمنصات محلية، بات أكثر من ستة عشر ألف شخص بلا مأوى بعد تنفيذ عمليات إزالة واسعة في محلية جبل أولياء منذ الثالث من أكتوبر. أحياء كاملة مثل مانديلا وأنقولا ومربعات أخرى سويت بالأرض، دون إخطار مسبق أو توفير بدائل، ما عمّق من حجم الأزمة الاجتماعية والإنسانية، وترك آلاف الأسر في العراء بلا حماية أو سند.
المقلق في هذه الحملة ليس فقط حجمها، بل طبيعتها والأسس التي استندت إليها. فالاستهداف طال فئات بعينها، معظمها من النازحين والفقراء الذين لجأوا إلى أطراف العاصمة هرباً من الحروب. هذا النمط يعزز شعوراً واسعاً بأن ما يجري ليس تنظيماً، بل ممارسة ممنهجة للتمييز والإقصاء، تُمارس فيها القوة الغاشمة على حساب أبسط حقوق الإنسان.
ما يجري في جنوب الخرطوم لا يمكن وصفه بسلوك سلطة رشيدة أو دولة مسؤولة، بل هو تعبير صارخ عن كيان فاقد للأهلية القانونية والأخلاقية والإنسانية والوطنية. سلطة تتعامل مع مواطنيها كأهداف سهلة، تهدم مساكنهم بلا إنذار، وتتركهم في العراء، لا تمارس الحكم بل تمارس البطش، ولا تدير شأناً عاماً بل تُدير منطق العصابات. حين يُستباح الحق في السكن، وتسقط العدالة الاجتماعية، تتآكل شرعية الحكم، ويتحوّل ما يُسمى سلطة إلى جهاز قمع بلا سند أخلاقي أو وطني.
الأثر الإنساني لهذه الحملة كارثي بكل المقاييس. آلاف الأطفال والنساء وكبار السن وجدوا أنفسهم فجأة بلا مأوى، في ظل غياب شبه كامل لأي استجابة عاجلة. لا مياه، لا خدمات صحية، ولا حماية اجتماعية. المشهد يعكس انفصالاً تاماً بين من يملكون القرار ومن يدفعون ثمنه، ويكشف هشاشة البنية الاجتماعية في العاصمة نفسها.
المتضررون طالبوا، عبر مبادرات مدنية، بوقف فوري لعمليات الإزالة، وبإجراء دراسات اجتماعية حقيقية قبل اتخاذ أي خطوات تمس حياة الناس. كما طالبوا بتوفير بدائل سكنية إنسانية تحفظ كرامتهم، لكن هذه المطالب قوبلت بالتجاهل، ما يعزز الإحساس بأن صوت المواطن لم يعد مسموعاً، وأن القوة وحدها هي اللغة السائدة.
إن استمرار هذا النهج لا يهدد جنوب الخرطوم وحده، بل يهدد ما تبقى من فكرة الدولة ذاتها. فالدولة تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها، لا بتجريدهم من مساكنهم، وتُقاس بشرعيتها الأخلاقية قبل قوتها التنفيذية. ما يحدث اليوم يضع المجتمع أمام سؤال جوهري: هل ما نراه سلطة دولة، أم واقع تُدار فيه شؤون الناس بعقلية الإقصاء والبطش؟
ختاماً، فإن مأساة جنوب الخرطوم ليست حدثاً عابراً، بل مؤشر خطير على مسار كامل، يتطلب وقفة جادة من القوى الحية في المجتمع، ومن الضمير الوطني، للدفاع عن حق الإنسان في السكن والحياة الكريمة، قبل أن يتحول التشريد إلى واقع دائم، وتصبح العاصمة نفسها شاهداً على سقوط المعنى الحقيقي للدولة.




