رأي

السودان بين بناء الدولة أو التفكك: ضرورة الدولة المدنية اللامركزية

ابو عبدالله الراشدي

 

ابو عبدالله الراشدي 

الأزمة السودانية الحالية ليست مجرد حرب مسلحة، بل هي انعكاس لفشل طويل في تعريف الدولة لنفسها واحتضان تعدديتها الثقافية والاجتماعية. النزاع الذي يشهده السودان اليوم لم يكن وليد الصراع على السلطة فحسب، بل نتاج اختلال بنيوي في فهم الهوية الوطنية، حيث غياب إطار جامع استطاع احتواء اختلافات الشعب وتحويلها إلى قوة مشتركة، جعل من الاختلافات مدخلاً للحروب والصراعات المستمرة.

تجربة الدولة المركزية الأحادية أثبتت عبر التاريخ فشلها في السودان، فهي لم تتمكن من دمج التنوع الاجتماعي والعرقي والثقافي، وحوّلت الاختلاف الطبيعي إلى أداة للصراع المستمر. لا يمكن الحديث عن وحدة السودان دون الاعتراف بتعدد شعوبه، ولا عن دولة قوية دون تأسيس العدالة والإنصاف كأساس للحكم. في هذا السياق، لم تعد الدولة المدنية اللامركزية مجرد خيار نظري، بل أصبحت ضرورة تاريخية عاجلة للحفاظ على وحدة البلاد وإعادة بناء مؤسساتها بشكل يضمن الشفافية والمساواة.

لا يمكن لأي دولة أن تقوم على أسس مستقرة دون إخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية المنتخبة، وفصل الجيش عن السياسة. عسكرة الحياة السياسية أفسدت مؤسسات الحكم وألحقت ضرراً بالغاً بالمؤسسة العسكرية نفسها، وحوّلت الانقلابات إلى وسيلة دائمة لتغيير السلطة، مما أضعف هيبة الدولة وجعلها رهينة لموازين القوى العسكرية. تعدد المليشيات المسلحة وضبابية الشرعية العسكرية أفقدت الجيش القدرة على أن يكون قوة وطنية موحدة، بينما أصبح السلاح سلطة مستقلة تملي على الدولة سياساتها.

الخطاب السياسي الذي اختلط فيه الدين بالسلطة أدى إلى تحويل الأيديولوجيا إلى أداة للتمكين وليس للبناء الوطني. الحركة الإسلامية التي بدأت كمشروع فكري تحولت إلى شبكة مصالح معقدة، واستخدام الدين في السياسة أدى إلى استحواذ فئة معينة على السلطة وإقصاء الشعب من المشاركة الحقيقية في صناعة القرار، ما أدى إلى شرخ متزايد بين السلطة والمواطنين. المشاركة السياسية حق أساسي، لكنها لا يمكن أن تتحقق بشكل حقيقي دون منع إعادة إنتاج شبكات التمكين والهيمنة التي أضعفت الدولة.

على الرغم من الانقسامات الجذرية التي تعاني منها القوى المدنية، إلا أن التجربة التاريخية تؤكد أن هذه القوى ما زالت قادرة على إعادة إنتاج مشروع وطني يضع مصالح الشعب أولاً، بعيداً عن منطق القوة والسلاح. ثلاث ثورات سابقة أسقطت الديكتاتوريات، ولم تكن مصادفة، بل نتيجة لحراك شعبي واعٍ يؤكد أن المشروع الوطني الحقيقي يولد من الشارع وليس من فوهة البندقية.

الحرب الحالية ليست فرضاً خارجيًا فحسب، بل أشعلتها أيادٍ سودانية، ومسؤولية إيقافها تقع أولاً على عاتق الوطنيين السودانيين. فحين تفشل الإرادة الوطنية، يتحول السودان إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، ويصبح الحياد الإيجابي والبناء هو الخيار الأكثر واقعية وفاعلية للحفاظ على ما تبقى من استقرار. الاصطفاف في محاور خارجية لا يبني دولة، بل يدمّرها ويعمّق الانقسامات الداخلية، ويحوّل ميزان القوة العسكري إلى أداة فرضت شرعية سياسية مؤقتة لكنها غير مستدامة.

السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: الطريق الأول يقود إلى إعادة تأسيس الدولة المدنية، ديمقراطية ولامركزية، تضمن مشاركة المواطنين، وتحمي حقوقهم، وتوقف الحرب، وتفتح المجال لإعادة بناء مؤسسات الدولة بشكل متوازن. الطريق الثاني يواصل الرهان على القوة، ويعني استمرار الفراغ السياسي، وتوسع دائرة الانقسامات، وتمديد فترة المعاناة الإنسانية.

الخيار أمام السودانيين ليس مجرد اختيار بين الحل العسكري والحل المدني، بل هو اختبار حقيقي لقدرتهم على صياغة مستقبلهم بأنفسهم، على إعادة بناء الدولة وفق أسس العدالة والمواطنة، وفصل الدين عن السياسة، وفرض سلطة المدنيين على الجيش. إعادة بناء السودان تبدأ من تأكيد أن الدولة لا يمكن أن تُدار بالقوة وحدها، وأن أي استمرار للعنف سيؤدي فقط إلى مزيد من التمزق والتفكك.

ختاماً، السودان يحتاج إلى إرادة وطنية حقيقية تحمي وحدة الدولة، وتضمن أن تكون السلطة السياسية بيد المدنيين، وأن تنتهي فترة عسكرة الحكم والهيمنة الفردية. إما دولة مدنية ديمقراطية تُبنى على أسس العدالة والمشاركة، أو فراغ مفتوح يهدد مستقبل البلاد ويجعلها رهينة للصراعات المتجددة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!