رأي

الكيزان: حين يتحوّل الهوس الديني إلى مشروع تدمير وطن

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

لم تكن تجربة الإسلام السياسي في السودان مجرّد إخفاق في الحكم، بل كانت واحدة من أكثر التجارب قسوة واستبدادًا في تاريخ الدولة السودانية الحديث. فقد مثّلت جماعات الهوس الديني، المعروفة شعبيًا باسم «الكيزان»، نموذجًا صارخًا لكيف يمكن للدين، حين يُختطف سياسيًا، أن يتحوّل من منظومة قيم إلى أداة عنف، ومن خطاب أخلاقي إلى ماكينة قمع شاملة تستهدف الإنسان والمجتمع والدولة معًا.

هذه الجماعات لم تدخل المجال العام بروح وطنية، ولم تنظر إلى السلطة باعتبارها تكليفًا أخلاقيًا، بل تعاملت معها كغنيمة يجب الاحتفاظ بها بأي ثمن، حتى لو احترق الوطن بأكمله.

اختطاف الدين وتحويله إلى أيديولوجيا قمعية مغلقة

اعتمد الكيزان منذ بداياتهم على إعادة تعريف الدين بوصفه أيديولوجيا سياسية شمولية، لا تقبل التعدد ولا تعترف بالاختلاف. فصار “المؤمن” هو الموالي للتنظيم، و”العدو” هو كل من يخرج عن خطه، مهما كانت دوافعه وطنية أو إنسانية.

بهذا المنطق، جرى تحريم النقد، وتجريم المعارضة، وتكفير الخصوم سياسيًا وأخلاقيًا. ولم يعد الدين مساحةً للقيم والضمير، بل تحوّل إلى خطاب تعبئة، يبرر الإقصاء ويشرعن القمع ويغلق أي أفق للتعايش.

تفريغ الدولة من معناها وتحويلها إلى تنظيم

أحد أخطر ما قامت به جماعات الهوس الديني هو تفكيك الدولة من داخلها. لم تعد المؤسسات العامة تخدم المجتمع، بل خضعت لمنطق الولاء التنظيمي. جرى تدمير الخدمة المدنية، وضرب استقلال القضاء، وتسييس الأجهزة النظامية، وتحويلها إلى أدوات لحماية مشروع أيديولوجي ضيق.

بهذا النهج، تحوّلت الدولة إلى كيان مختطف، وفقد المواطن ثقته في القانون، لأن العدالة لم تعد معيارها الحق، بل القرب من التنظيم. وهذا التفكيك المنهجي أسّس لانهيار شامل لا تزال البلاد تعاني آثاره حتى اليوم.

العنف الممنهج وإلغاء إنسانية الخصوم السياسيين

لم يكن العنف في تجربة الكيزان استثناءً أو ردّ فعل، بل خيارًا ثابتًا كلما واجهوا مقاومة أو وعيًا مجتمعيًا متناميًا. فقد جرى تصوير الخصوم باعتبارهم خطرًا وجوديًا، وتجريدهم من إنسانيتهم، تمهيدًا لاستباحة حقوقهم.

هذا ما يفسر استهداف لجان المقاومة، والنقابيين، والطلاب، والمثقفين، وكل من شكّل نواة وعي مستقل. فالخطر الحقيقي على هذه الجماعات لم يكن السلاح، بل الفكرة الحرة التي لا يمكن إخضاعها.

تخريب التعليم وصناعة الطاعة بدل التفكير

أدرك الكيزان مبكرًا أن السيطرة على المستقبل تمر عبر السيطرة على التعليم. لذلك عملوا على تفريغ المناهج من التفكير النقدي، وتعزيز ثقافة التلقين والطاعة، وربط التفوق والفرص بالانتماء والولاء.

النتيجة كانت أجيالًا أُضعف فيها الحس النقدي، وغُذّيت بخطاب إقصائي، عاجزة عن مواكبة العصر أو إنتاج معرفة حرة. هذا التخريب لم يكن فشلًا عرضيًا، بل سياسة مقصودة لضمان استمرار السيطرة.

اقتصاد النهب المقنّع بشعارات الفضيلة

اقتصاديًا، لم تطرح جماعات الهوس الديني أي مشروع إنتاجي حقيقي. اعتمدت على اقتصاد الريع، والاحتكار، والتمكين المالي داخل الدائرة التنظيمية، بينما غرق غالبية الشعب في الفقر والحرمان.

وتحت لافتات الأخلاق والدين، جرى تبرير فساد واسع النطاق، فصار الفساد مقبولًا إن كان “من داخل الجماعة”، وصار النزاهة تهمة إن صدرت من خارجها. وهكذا جرى تفريغ القيم من مضمونها، وتحويلها إلى شعارات جوفاء.

لماذا تخشى هذه الجماعات الوعي والثورة؟

لأن الثورة كسرت احتكار الخطاب، وعرّت زيف الشعارات. ولأن الوعي الشعبي، خاصة وسط الشباب، كشف أن هذه الجماعات لا تمثل الدين ولا الوطن، بل تمثل مشروع سلطة عارية من الأخلاق.

لذلك كان الانتقام من الثورة، والسعي لإغراق البلاد في الفوضى، خيارًا محسوبًا. فالاستقرار والديمقراطية يعنيان نهاية مشروعهم، بينما الفوضى تمنحهم فرصة للبقاء.

 لا دولة مع الهوس ولا وطن مع الاستبداد

إن أزمة السودان ليست أزمة أشخاص، بل أزمة فكر وسلوك سياسي قائم على اختطاف الدين واستباحة المجتمع. ولا يمكن الخروج من هذا النفق ما لم يتم تفكيك بنية الهوس الديني، وبناء دولة تقوم على المواطنة، وسيادة القانون، واحترام التعدد.

إن ما يحتاجه السودان اليوم ليس فقط إيقاف الحرب، بل تحرير الوعي من إرث الاستبداد، وبناء عقد اجتماعي جديد يضمن أن لا يُستخدم الدين مرة أخرى كسلاح ضد الشعب.

فإما دولة تحمي الإنسان،

أو هوس ديني لا يترك خلفه إلا الخراب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!