
خضر كوة
يبدو أن عبد الفتاح البرهان يعيش في وهم خطير، مبني على سوء تقدير فادح وثقة مفرطة في مظلات إقليمية مثل مصر وقطر. هذا الوهم يقوده للاعتقاد بأن العالم يمكن خداعه بسهولة، وأن بإمكانه المراوغة وإطالة أمد الحرب بلا حدود، مستفيدًا من تناقضات الإقليم والمجتمع الدولي. ما يراه البعض منا كسياسة مراوغة، هو في الحقيقة استراتيجية مدمرة لمستقبل السودان كدولة وشعب.
يتصرف البرهان وكأن الحرب ورقة تفاوض، وكأن دماء السودانيين مجرد تكلفة جانبية يمكن امتصاصها سياسيًا. يراهن على إرهاق المجتمع الدولي، وعلى خوف العالم من الفوضى، وعلى خطاب “السيادة” الذي يُستدعى عند مساءلته، بينما يُتجاهل حين تُسقط القنابل على المدن ويُهجَّر الملايين من المدنيين.
لكن الوقائع تقول غير ذلك. ما يحدث في السودان ليس حرب كرامة وطنية، بل حرب سلطة محكومة بعقلية قديمة ترى الدولة غنيمة، والجيش ملكية خاصة، والشعب جمهورًا صامتًا عليه أن يتحمل “الظروف الاستثنائية” إلى ما لا نهاية. هذا النهج ليس مجرد خطأ استراتيجي، بل يؤدي إلى تفكيك الدولة، إذ كل يوم إضافي من الحرب يعمّق الانقسامات الجغرافية، ويعزز اقتصاديات الحرب، ويفتح الباب لمشاريع تقسيم واقعية، ليس مجرد فرضيات نظرية.
الرهان على الخارج أيضًا وهم آخر. الدول لا تدعم الأوهام، بل مصالحها. أي دعم إقليمي أو دولي لن يستمر إلى ما لا نهاية، وحين تنتهي الصلاحية أو تتغير المصالح، سيُترك السودان وحيدًا أمام تبعات السياسات الداخلية والخيارات الخاطئة التي اتخذها قادته.
النداء الأول للسودانيين أنفسهم: الصمت لم يعد خيارًا، والحياد لم يعد حكمة. هذه الحرب تستهدف مستقبل البلاد، وحدة السودان، ومعنى الدولة نفسها. لا بد من موقف وطني واضح يرفض استمرار الحرب، ويُسمي المسؤوليات بأسمائها، ويستعيد السياسة من فوهة البندقية.
النداء الثاني للمجتمع الدولي: التردد في التعامل مع الوضع، البيانات الرمادية، ومنح الوقت لمن يقتل الوقت بالدم لم يعد مقبولًا. على المجتمع الدولي ممارسة ضغط سياسي حقيقي على قيادة الجيش، وربط أي شرعية بوقف الحرب والانخراط الفعلي في مسار مدني ديمقراطي.
إن إنقاذ شعب السودان لا يمر عبر مجاملة الجنرالات أو المراوغة الإقليمية، بل عبر إنهاء الحرب فورًا، وإعادة الدولة إلى أطر مدنية قابلة للحياة. وإلا فإن السؤال لن يكون فقط عن تقسيم السودان، بل عن عدد الدول التي ستولد من رماده.
السودان اليوم على مفترق طرق، والقرار يقع على الشعب والوسطاء الدوليين: إما التمسك بالوحدة والدولة المدنية، أو ترك الخراب يفرض نفسه بقوة السلاح والنفوذ، ويكتب تاريخًا جديدًا من الانقسامات والمعاناة.



