
إيمان التجاني
تتعمّق أزمة حزب الأمة القومي مع استمرار الحرب، ليس فقط بفعل الضغوط الخارجية وتعقيدات المشهد الوطني، بل بسبب انقسام داخلي صار يهدد ما تبقى من تماسك حزب ظل لعقود أحد أعمدة السياسة السودانية. وفي خضم التحركات المتباينة واللقاءات المتفرقة التي تنظمها أجنحة متنازعة، يبرز سؤال محوري: من يملك الشرعية الحقيقية لتمثيل حزب الأمة وجماهيره؟
التحركات الأخيرة في أم درمان، التي قادها جناح محسوب على التيار الموالي للجيش المختطف من قبل جماعة الإخوان المسلمين، كشفت بوضوح حجم الارتباك السياسي والتنظيمي داخل الحزب. فقد رُفعت شعارات ثورة ديسمبر والدولة المدنية، بينما تم الاصطفاف عمليًا مع واقع سياسي يناقض هذه الشعارات، ويعيد إنتاج ذات التحالفات التي عطّلت التحول الديمقراطي تاريخيًا. هذا التناقض، في نظر كثير من قواعد الحزب، لا يعكس سوى أزمة بوصلة وفقدان رؤية.
في مقابل هذا التيه، يشير مراقبون وقياديون تاريخيون داخل الحزب إلى أن القيادة الأقرب إلى الشرعية الدستورية والسياسية هي تلك التي يتولاها اللواء فضل الله برمة ناصر. فبرمة، وبحسب دستور حزب الأمة، هو الرئيس المكلّف بصورة قانونية، وتستند شرعيته إلى مؤسسات الحزب لا إلى اصطفافات ظرفية أو تحركات إعلامية. والأهم من ذلك، أنه يُنظر إليه باعتباره المعبّر عن الطيف الأعرض من جماهير حزب الأمة، داخل السودان وخارجه، ممن لا يرون خلاص الحزب في الارتهان لأي محور عسكري أو أيديولوجي.
إن محاولة تجاوز هذه الشرعية، عبر الدعوة للاصطفاف خلف قيادات أخرى، تُعدّ في نظر كثيرين انقلابًا ناعمًا على دستور الحزب، وتكريسًا لنهج إضعاف المؤسسات لصالح الأفراد. وهو ذات النهج الذي دفع الحزب، في محطات سابقة، إلى الانقسام وفقدان المبادرة السياسية، والانفصال عن قواعده الاجتماعية الواسعة.
الأخطر من ذلك، أن بعض هذه الأجنحة تحاول إعادة صياغة علاقة حزب الأمة بالجيش المختطف، متجاهلة تاريخًا طويلًا من الصدام بين المؤسسة العسكرية وكيان الأنصار، دفع خلاله الحزب أثمانًا باهظة من الدم والتهميش والإقصاء. إن هذا التجاهل لا يمثّل فقط قطيعة مع الذاكرة السياسية للحزب، بل يضرب في عمق هويته كقوة ناضلت—نظريًا وعمليًا—من أجل الديمقراطية والحكم المدني.
في هذا السياق، تبدو قيادة فضل الله برمة، رغم كل التحديات، أقل ارتهانًا لمحاور الحرب وأكثر انسجامًا مع الخط العام للحزب وتاريخه. فهي قيادة تستمد قوتها من الشرعية التنظيمية ومن تمثيلها لقطاع واسع من الأنصار، لا من دعم عابر أو تحالفات ملتبسة.
خلاصة القول، إن أزمة حزب الأمة اليوم ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة احترام للشرعية الدستورية والقرار المؤسسي. وإذا لم يحسم الحزب خياره بالانحياز إلى قيادته الشرعية، ويُغلق الباب أمام مغامرات الأجنحة والتيارات، فإنه ماضٍ نحو مزيد من التفتت، وفقدان دوره كحزب جماهيري وطني. أما استعادة العافية، فلا تمر إلا عبر الاعتراف بفضل الله برمة رئيسًا شرعيًا وفق دستور الحزب، والانطلاق من هذه الأرضية لإعادة بناء الحزب على أسس واضحة، مستقلة، ومنحازة فعلًا وليس شعارًالمشروع الدولة المدنية الديمقراطية.




