رأي

تجفيف المعلم لتجفيف الوعي

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

ليست قضية الاستقطاع من مرتبات الأساتذة إجراءً ماليًا معزولًا، بل مؤشر على نهج متكامل يتعامل مع التعليم بوصفه خطرًا لا أولوية، ومع المعلم باعتباره الحلقة التي يجب إضعافها أولًا. رفض لجنة المعلمين لهذه السياسات يكشف أن ما يجري ليس معالجة لأزمة مالية، بل امتداد لمسار طويل يستهدف المعلم بصورة مباشرة، لأنه المدخل الأسهل لإفراغ المجتمع من وعيه.

واقع المعلم اليوم يعكس حالة إذلال ممنهجة. رواتب لا تفي بأبسط متطلبات الحياة، بيئة عمل تفتقر لأدنى مقومات المهنية، وضغوط نفسية مستمرة تحوّل المعلم من حامل رسالة إلى شخص منشغل بتدبير ضروريات البقاء. هذا الوضع لا يمكن تفسيره بسوء إدارة عابر، لأنه استمر لسنوات، وتكرر بذات الأدوات، وتوسع كلما طالب المعلم بحقه المشروع.

في أي مجتمع سليم، يُنظر إلى التعليم باعتباره استثمارًا استراتيجيًا، ويُمنح المعلم مكانته التي تليق بدوره في صناعة الأجيال. أما حين يُدفع المعلم إلى حافة الفقر، وتُسحب منه أدوات العيش الكريم، فإن الرسالة تكون واضحة: لا يُراد للتعليم أن يؤدي دوره، ولا للمدرسة أن تكون فضاءً للتفكير الحر.

التحليل العلمي يؤكد أن العلاقة بين وضع المعلم ومستوى الوعي المجتمعي علاقة سببية مباشرة. فالمعلم المرهق ماديًا والمكسور معنويًا لا يستطيع إنتاج بيئة تعليمية صحية، ولا تنمية مهارات التفكير النقدي لدى طلابه. ومع مرور الوقت، تتحول المدرسة إلى مساحة تلقين فارغة، ويُنتج المجتمع أجيالًا أقل قدرة على السؤال، وأكثر قابلية للانقياد.

القصدية هنا تتجلى في النمط المتكرر: كل عجز مالي يُحمَّل للمعلم، وكل فشل إداري يُعالج بالخصم من راتبه، وكل مطالبة بالحقوق تُقابل بالتجاهل أو القمع. هذا التكرار ينفي العشوائية، ويؤكد أن إضعاف المعلم خيار ثابت، لا نتيجة طارئة. فإذلال المعلم ليس هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة لإضعاف المجتمع بأكمله عبر ضرب مصدر وعيه الأول.

التجربة السودانية أثبتت أن المعلم كان دائمًا في مقدمة الفئات التي تواجه التضييق حين ترفع صوتها. لم يكن ذلك لأن مطالبه غير مشروعة، بل لأن رفعها يكشف جوهر الأزمة: أن التعليم الحر يتناقض مع أي مشروع يقوم على تغييب العقل. لذلك، كان الرد غالبًا قاسيًا، ومقصودًا به كسر النموذج، لا معالجة المشكلة.

إن تجفيف المعلم يؤدي بالضرورة إلى تجفيف الوعي. فحين تُهمل المدرسة، وتُهان المهنة، يتراجع مستوى التعليم، وتنتشر الأمية بأشكال جديدة، أخطرها الأمية الفكرية. وعندها يصبح المجتمع أكثر هشاشة أمام التضليل، وأقل قدرة على حماية نفسه من إعادة إنتاج القهر والاستبداد.

في المقابل، لا يمكن الحديث عن أي إصلاح حقيقي دون رد الاعتبار للمعلم. تحسين وضعه المعيشي، حمايته قانونيًا، وإشراكه في صنع السياسات التعليمية ليست مطالب فئوية، بل شروط أساسية لبناء مجتمع واعٍ وقادر على النهوض.

وفي الختام، فإن مسؤولية مواجهة هذا النهج لا تقع على المعلمين وحدهم، لكنها تبدأ منهم. التكاتف، ورفع الوعي النقابي، والدفاع السلمي عن الحقوق، هي أدوات ضرورية لكسر دائرة الإذلال الممنهج. فمعركة المعلم هي معركة الوعي، وحماية المعلم تعني حماية المجتمع من التجهيل المقصود، ومن مستقبل يُصنع على مقاس الخضوع لا على قيم المعرفة والكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!