رأي

صهيل الخيل: أبداً ما هنت يا سوداننا يوماً علينا

صهيل الخيل: أبداً ما هنت يا سوداننا يوماً علينا

د. عبد المجيد عبد الرحمن أبو ماجدة .

“1”

إنّ الشعوب تشرئب دائماً وأبداً إلى أوطانها و بلادها وهذه سنّة الله في عباده على الرغم من أن الكون ملئ بالمخلوقات إلاّ أنّ ميزة الحنين إلى الأوطان والديار مغروسة بالفطرة في النفس البشرية دون سائر مخلوقات الله

سبحانه وتعالى .

لذلك قديماً يقول أهلنا “البقارة” غزال المحل بتموت في محلها أي بمعنى أنّ الغزالة لا تفارق المكان الذي ولدت فيه وترعرعت ومرحت عليه منذ إن كانت “جدية” ولا تفارقه البتة إلاّ في الظروف القاهرة .

فالسودان مهما جار علينا الحكام وطغوا وتجبروا وسعوا في الأرض فساداً ودماراً وهلكوا الحرث والنسل إلاّ أنه سيظل خالداً في نفوسنا ومآقينا ونتحسر ونبكي بحرقة شديدة في ما آلت إليه الأمور بفعل الحكام الطغاة الجبابرة الذين كنزوا الذهب والبترول والأحجار الكريمة وبرعوا في شراء الذمم والعقارات داخل

وخارج السودان وامتلأت خزائنهم بالدولار .

وأنهم مزقوه شر ممزق وادخلوه في الأزمات المتلاحقة والحروب وهم يتلذذون بعذابات شعبه الذي يعاني الفقر والفاقة والأمراض القاتلة الفتّاكة .

فعلى الرغم من ذلك

يبقى الوطن هو الوطن الذي تغنى له الفنان القامة الراحل المقيم محمد عثمان وردي “أبداً ما هنت يا سوداننا يوماً علينا”

العملاق وردي عليه الرحمة تغنى للشعوب السودانية بلسانين فغنى لأهله النوبة في أقاصي شمال السودان بلسانهم وتغنى بالعامية السودانية لكل السودانيين رطانة وعرب ولأهل الحضر و أهل المدر .

وطنا وطنا باسمك كتبنا ورطنا بحبك بتضحك وبحبك عبوس بحبك حقيقة .

إستوقفتني هذه الأغنية المليئة بالإفتخار والإعزاز والكرامة والشهامةفما أروع الإنسان وهو في حضرة الوطن الشامخ

الأبي الذي دونه تهون كل الآلآم والجراحات فما أجملك يا سودان ونحن في ديار الغربة نكابد آلامها ومخاضها العسير وفي إحدى الليالي نجتر فيها ذكريات الوطن الحنين ويعجبوك السودانيون في بلاد الغربة ينسون كل

أحزابهم وأنسابهم وأعراقهم وانتمائتهم الضيقة وتجمع بينهم “جغرافية الوطن الخصيب” .

إنّ الوطن السودان العملاق “سلة غذاء العالم ” تغنى له كذلك الفنان الشامل الراحل المقيم عبد الكريم الكابلي بانشودة “يا قمر دورين انا شفتك وين”

يا قمر دورين أنا شفتك وين

طبعاً في الليل في ضفاير النيل

في رمال سهرانه و راجياك تسيل

في دموع الساقيه يرنو ليها نخيل

في وجوه فرحانه عامره بالتهليل

في عيون نعسانه غارقه في التكحيل

وكل ديل في وطني

بحبك يا وطني بعزك يا وطني

شمس الصباح والصباح رباح شمسك ياوطني

طعم النجاح الزانو كفاح

طعمك ويا وطني

حتى الجراح الزمانن راح

مهرك يا وطني

أهلي الفصاح أسياد الصباح

درعك يا وطني

كل الملاح الجمالهن فاح

زينتك ياوطني

انت عندي كبير و حبي

ليك كتير

القومه ليك يا وطني

شيلوه وزيدوه وطن الجمال

علوه وخلوه في عين المحال

أبنوه. و مدوه بالمال و العيال

زيديوه و أبنوه بعزم الرجال

بأملنا وبعملنا و بالمحنه

وبوفا النيل في دمانا نبني جنه

ونبتهج نحنا و صغارنا و نتغنى

يا أصلنا و مبتدانا يا حلاة

مسرح صبانا وذكرياتنا و مشتهانا

انت فينا كبير و ريدنا ليك كبير

القومه ليك يا وطني

فعندما ذكرت للرجل هذه الانشودة التي تحكي عن الجغرافيا السياسية والتأريخ والمجتمع تنهد الرجل واخذ نفساً طويلاً وقال لي بصوت خافت السودان ما فضل فيهو إلاّ “الغنا الجميل دا” وأردف قائلاً الإسلاميين فشلوا فى إدارة البلد و مزقوه .

إنّ الحركة الإسلامية فشلت في إدارة دولة السودان و”إحتواء” هذا التنوع العرقي والاثني الموجود وهذا التنوع لو أدير بمصداقية لكان حافزاً وترياقاً للدولة السودانية

من التصدع والتشرذم والعنصرية ولكن للأسف الشديد قادة الحركة الاسلامية بعد انقلابهم المشؤوم و حتي اليوم حولوا الدولة السودانية إلي “بؤر” ملتهبة تغلي كالبراكين من الصراعات والنزعات العرقية الدامية ودقوا بين مكونات الأعراق السودانية إسفين الفرقة والشتات والتقوقع خلف الذات والقبيلة وخاصة في مناطق الهامش التي ينهش فيها الثالوث القاتل “الجهل والفقر والمرض ”

 

“2”

 

إنّ قادة الحركة الاسلامية افقدوا السودان مكانه الطبيعي ودوره الريادي والقيادي والسيادي الذي كان يتبوائه فى محيطه “الافروعربي” وفي المحافل الإقليمية والدولية .

إنّ الدولة السودانية فيها خلل عضوي وبنيوى منذ أن نال السودان استقلاله في العام 1956م وعند أول مرة يتم فيها سودنة الوظائف العامة ومن ذلك التاريخ وحتي الآن تعاني الدولة السودانية وتعيش في ظروف إستثنائية بالغة التعقيد حتى وصلنا درجة الاقتتال بين قوتين عسكريتين في حرب الخامس عشر من ابريل. 2023م وما زال القتاا مستمراً .

إنّ الساسة والمفكرين والقانونيين السودانبين لم يضعوا للسودان دستوراً وطنياً يجمع عليه شعوب السودان وهذا الاعتراف من الدكتور الراحل حسن “الترابي” في ندوة حول السودان بدولة قطر في شهر يونيو2013م والذي

ذكر فيها بأنّ كل الدساتير التي توضع لم تلبي طموحات الشعب ولم تُعرض عليه للأخذ برأيه .

ستظل آفة الدولة السودانية هم القانونيون والسياسيون والمنظرون كما وصفهم المفكر السوداني الراحل الدكتور منصور خالد في كتابه الموسوم “الساسة السودانيين وادمان الفشل” فكل نظام سياسي يأتي للحكم في السودان يفصل الدستور “جلباب” حسب مقاساته ومقاسات مؤيديه من الهتيفة والارزقية وضاربي الطبول وماسحي الجوخ وعلماء السلطان والطفيليين من تجار الحكومات ومرتادي التصاديق والإجرام المقنن وتمرر هذه الدساتير الوهمية عبر المجلس الوطني “مجلس الشعب” فيوافقون علي هذه الدساتير بالإجماع السكوتي من دون إبداء رأي أو أيّ اعتراض وفجأة يأتي حاطب ليل بإنقلاب عسكري”يكاوش” على النظام القائم بحجج ضعيفة وتبريرات خجولة كما فعل عبود والنميري ومحاولات الشيوعيون

الفاشلة وعمر البشير وذمرته واخيراً الجنرال البرهان في الحادي والعشرين من إكتوبر 2021م .

إنّ كل تلك الانقلابات قادت السودان إلى ما آل إليه حاله اليوم ولأول مرة فى تاريخ السودان الحديث يوصف النظام الحاكم فيه بأنه نظام راعي “للإرهاب” في عهد حكم الحركة الاسلامية ولأول مرة فى تاريخ السودان يوصف النظام السياسي فيه بانه نظام فاشل حسب توصيف منظمة الشفافية العالمية .

 

“3”

 

في نهاية ديسمبر من العام 2018م قام الشعب السوداني بثورة شعبية عظيمة عمت كل الولايات رافضة للسياسات الاقتصادية للحركة الاسلامية وقد اطاحت بنظام عمر البشير .

إنّ الشعب السوداني إستبشر خيراً ومهد الطريق لاختيار حكومة مدنية بقيادة الدكتور عبدالله حمدوك وافق عليها جميع الاحزاب المكونة للحرية والتغيير “قحت” والقوتيين العسكريتين الجيش والدعم السريع بعد الإطاحة بمجموعة الجنرال عوض بن عوف ومجموعة صلاح قوش .

إنّ الحكومة المدنية إستمرت في تناغم مع الجيش والدعم السريع على الرغم من الخلافات التي كانت تظهر علي السطح بين الفينة والاخرى من قبل المكون العسكري .

ففي آخر المطاف قد انقضّ الجنرال البرهان على الحكومة المدنية وقوضّ النظام الدستوري فيها واعتقل قادة العمل المدني بما فيهم رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك وطاقمه الوزاري الامر الذي ادى الي تذمر في الشارع العام مما جعل الجنرال البرهان يتراجع عن قراره الانقلابي ويعلن التوافق مع المدنيبن ليعودوا الي السلطة مرة اخرى .

فلم يمضي الوقت طويلاً حتى تقدم الدكتور عبد الله حمدوك باستقالته مرة اخرى واصبح المكون العسكري مع بعض المدنيين يقودون دفة الحكم الي ان جاءت وثيقة الاتفاق الاطاري التي تعتبر هي القشة التي قصمت ظهر البعير وادت في النهاية الي إشتعال الحرب في الخامس عشر من ابريل 2023م وإستمرت الي يومنا هذا وما زالت نيرانها تأكل في ارجاء الوطن العزيز .

إنّ الوطن السودان قد ابتلاه الله بسياسين وعسكرين دمروه وقتلوا شعوبه ونهبوا ثرواته وما زالوا يمارسون هواياتهم ولم يتعظوا بدروس الماضي .

إنّ السودان وشعبه لا يستاهلون كل هذه الازمات المرعبة على الرغم من خيراته وثرواته التي تكفي لكل السودانيين لو اديرت بشكل صحيح .

أبداً ما هنت يا سوداننا يوماً علينا .

غفر الله لشاعر الإكتوبريات شاعر افريقيا الراحل المقيم محمد مفتاح الفيتوري الذي انشد هذه القصيدة وصدح بها الفنان العملاق الراحل وردي .

اصبح الصبح ولا السجن ولا السجان باقي

واذا الفجر جناحان يرفان عليك

واذا الحزن الذي كحل هاتيك المآقي

والذي شد وثاقاً لوثاق

والذي بعثرنا في كل وادي

فرحة نابعة من كل قلب يابلادي

أصبح الصبح وها نحن مع النور إلتقينا

إلتقى جيل البطولات بجيل التضحيات

إلتقى كل شهيد قهر الظلم ومات

بشهيد لم يزل يبذر في الأرض بذور الذكريات

أبداً ما هنت يا سوداننا يوماً علينا

بالذي اصبح شمساً في يدينا

وغناء عاطراً تعدو به الريح

فتختال الهوينى

من كل قلب يا بلادي

فرحة نابعة من كل قلب يابلادي .

الرحمة والمغفرة لكل شهداء بلادي من ثورة إكتوبر الي الثورة الحالية الذين رووا بدمائهم الطاهرة الذكية ارض الوطن .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!