رأي

تحول الردع الأمريكي – من فنزويلا إلى الشرق الأوسط

حافظ حمودة

 

 حافظ حمودة 

شكّل إعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير 2026 نقطة تحول جوهرية في تاريخ العلاقات الدولية المعاصر، إذ انتقلت الولايات المتحدة من مرحلة العقوبات الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية إلى التدخل المباشر في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة . هذا التحول ، الذي جاء في سياق إعادة تشكيل أولويات السياسة الخارجية الأمريكية تحت إدارة الرئيس ترمب يُنذر بإعادة هيكلة شاملة للنظام الدولي القائم على سيادة القانون الدولي الذي صاغته القوى الكبرى عقودًا طويلة . برّرت الإدارة الأمريكية هذا الإجراء بثلاثة مسوّغات رئيسية تتعلق بالاتجار الدولي بالمخدرات والارتباط بتنظيمات إرهابية وتهديدات مباشرة للمصالح الأمريكية .

صعّد المسؤولون الأمريكيون من لهجتهم تجاه دول أخرى تصنّفها واشنطن ضمن قائمة ( الدول المارق ) . أكد وزير الخارجية ماركو روبيو أن ( الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي بينما تهدد أنظمة مارقة حياة الأمريكيين ومصالحنا الحيوية ) ، مشددًا على أن ( كل الخيارات مطروحة على الطاحة ) . يكشف تحليل الخطاب الأمريكي عن تحول جوهري في عقيدة الردع ، إذ تتبنى الإدارة الأمريكية ما يمكن تسميته ( الردع الاستباقي الانتقائي ) ، الذي يستهدف قادة محددين بدلًا من استهداف الدول ككل ، مستندًا إلى فرضية مفادها أن الأنظمة السلطوية تعتمد بشكل كبير على شخصيات قيادية محددة .

كشفت الوثائق الأمريكية عن alleged شبكة تهريب مخدرات تربط بين فنزويلا وأوروبا والشرق الأوسط ، حيث استخدم عناصر من الحرس الثوري Iranian وحزب الله فنزويلا كقناة لتبييض الأموال ، كما أُقيمت شبكات تجنيد لحماس وحزب الله في أوساط الجالية الفنزويلية في لبنان وسوريا . في السياق الاقليمي ، أشاد وزير الخارجية الإسرائيلي غدوان ساعر بـ ( الجرأة الأمريكية ) ، مؤكدًا أن ( إيران تستخدم فنزويلا كجسر لتمويل حزب الله وحماس ) ، وأن ( هذه العملية تُضعف محور المقاومة بأكمله ) . يعكس هذا الموقف عمق التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب في استهداف ما يُسمى ( محور المقاومة ) . عبر وسائل إعلامية إسرائيلية ( مثل جيروزاليم بوست) عن دعم واضح ، رؤيةً في هذا التحول تعزيزًا لموقفها ضد أعدائها الإقليميين وفرصة لتعميم منهج استهداف القيادات على دول عربية .

وعند تحليلنا الخطاب الإعلامي نجد أن فوكس نيوز Fox News تبنت خطابًا شعبويًا وصف مادورو بأنه ( طاغية يستحق المحاكمة العلنية ) ، بينما تبنّت New York Post مقاربة براغماتية ركّزت على التداعيات الاقتصادية . أما Haaretz فقد تساءلت عن “الجدوى القانونية والأخلاقية” للعملية ، وحذّرت ازدواجية المعايير الأمريكية . تهدف الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ملف إيران العسكري في المنطقة كأولوية قصوى . يُشكّل لبنان وغزة ميداني اختبار رئيسيين لمنهجية ( لاستهداف الانتقائي للقيادات ) ، حيث شنّت إسرائيل عمليات ضد قيادات حزب الله وحماس . أما السودان طالب مسؤولون أمريكيون بـ ( قطع العلاقة مع طهران والامتناع عن تقديم ملاذات للإرهابيين ) ، خاصة أن السودان رغم التحذيرات الأميركية ، لا زال يتعامل مع إيران واستيراد الأسلحة واستضافة قادة حماس بعد إستهداف إسرائلي الدوحة موخرا .

تتضمن السيناريوهات المحتملة : التصعيد المحسوب عبر ( العمليات الخاصة ) ، التفاوض الشامل مع ٱيران ، أو الانزلاق إلى حرب إقليمية .

يقف الشرق الأوسط أمام مفترق طرق حاسم ، حيث ستُحدد المرحلة المقبلة ما إذا كانت الضغوط الأمريكية والإسرائيلية ستُفضي إلى تفاوض شامل أم إلى حرب إقليمية هدفها إيران وحلفائها بما فيها السودان . إن اختيار المسار سيُحدّد ملامح النظام الدولي لعقود مقبلة ، وسيُشكّل اختبارًا حاسمًا لحدود القوة وإرادة السلام في مواجهة الانجرار نحو التصعيد .

حافظ حمودة

6 يناير 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!