السودان والهيمنة المصرية ؛ الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع الفصل الرابع موارد السودان المنهوبة
د.النور حمد

الدكتور النور حمد المفكر والكاتب السياسي
من العوامل التي هيأت الفرص لكي تصبح موارد السودان الخام نهبًا للجيش ولمنتسبي الحركة الإسلاموية، وما يحيط بهم ممن يوالونهم من التجار، إنشاؤهم الدولة الموازية، التي استقلت بنفسها عن الدولة الأم في السودان. هذه الدولة الموازية أصبحت تعيش في داخل الدولة، كما تعيش الدودة الشريطية في أمعاء الإنسان. فهي التي امتصت غذاء الدولة السودانية حتى أيبستها. وكما سبق أن أشرنا، خلق تنظيم الإخوان المسلمين لنفسه، منذ أن أطاح بالحكم الديمقراطي في السودان في عام 1989، دولةً موازيةً، تدير اقتصادًا موازيًا يتحرك خارج الأطر المؤسسية المعروفة لأي دولة. فأصبحت هناك دولةٌ خاصة بتنظيم الإخوان المسلمين فاحشة الثراء، غارقةٌ في الفساد حتى أذنيها، وهناك الدولة الأم التي تعيش حالةً من الفقر المدقع ومن انهيار مضطرد للخدمات؛ كالكهرباء والمياه والاتصال والأمن والتعليم والصحة والنظافة العامة، وغير ذلك. أهل الدولة الموازية هم التنظيم الحاكم والقوى الأمنية المتمثلة في الجيش وجهاز الأمن بكل أفرعه، والشرطة، والمليشيات الخاصة بالتنظيم. إضافةً إلى أصحاب المصالح من الرأسماليين الطفيليين الذين يتحلَّقون حول كل نظامٍ للحكم، أيًّا كان، كما سلفت الإشارة. وقد أشار وزير المالية الأسبق الراحل، إبراهيم منعم منصور، الاقتصادي المرموق، الذي شغل منصب وزير المالية في فترة حكم الرئيس جعفر نميري، إلى سيطرة الجيش وقوى الأمن على الاقتصاد في رسالةٍ حديثة بعث بها في عام 2021 إلى كلٍّ من الفريق عبد الفتاح البرهان ونائبه آنذاك، الفريق محمد حمدان دقلو. وأحب أن أقتطف منها هاتين الفقرتين:
وكما هو معلوم فإن القوات المسلحة على مختلف العهود لم تقم بـ (غزو) دولة أو الحصول على (غنائم) منها حتى تكون لديها ممتلكات خاصة بها. وليس من أغراضها، كما أعلم، العمل في الزراعة أو الصناعة أو التجارة حتى يكون لها – رأس مال تستثمره في شراء المحاصيل واللحوم وتصديرها.
وفي هذا إشارة واضحة أن الشركات التي تديرها القوى الأمنية جاء رأس مالها من جيب الشعب، ورغم ذلك فإن إدراتها تجري بعيدًا عن عين الشعب الممثلة في وزارة المالية. فهذه الأموال محجوبة تمامًا عن أن تعمل لتخفف عن الشعب صعوبة الحياة المعيشية. ويمضي إبراهيم منعم منصور ليؤكد أن المؤسسات المالية العالمية تعرف تمام المعرفة أن قوى الأمن؛ من جيشٍ وجهاز مخابراتٍ وشرطةٍ وغيرها هي التي تنهب أموال الشعب وتفقر الدولة. وقد أورد في هذا الصدد هذه الفقرة:
عندما ذهب دكتور إبراهيم البدوي فور تعيينه يتحسس دور المجتمع الدولي والمانحين لدعم السودان كان صندوق النقد الدولي – كممثل للمجتمع المالي الدولي – صريحًا معه. وأعطاه (روشتة) هي تقريرٌ يقول: إن الأموال التي تمتلكها الشركات الأمنية تغطي ما ينتظره السودان من المانحين. لذلك يجب أيلولة شركات الأجهزة الأمنية إلى وزارة المالية.
وقد حاول الدكتور إبراهيم البدوي ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك إعادة أموال الدولة الموازية إلى وزارة المالية، لكن هذه المحاولة فشلت. فلجأوا للخيار الثاني الذي أعطته لهم المؤسسات الدولية وهو رفع الدعم، فانبرى لذلك اليساريون قائلين كعادتهم إن رفع الدعم خط أحمر، وإن روشتة البنك الدولي مرفوضة تمامًا. وعمومًا، فإن محاولة إدماج الدولة الموازية في الدولة الأم هي التي أيقظت شيطان هذه القوى المكونة من مجمل القوى الأمنية ومن الشيطان الأكبر المتمثل في أثرياء الإخوان المسلمين. الأمر الذي انتهى إلى الإطاحة بالفترة الانتقالية برمتها، ثم ما لبث أن قاد الأمور في وجهة إشعال هذه الحرب المدمرة الجارية الآن. فالغرض كان منذ البداية قتل الثورة، لكي يعود من أنشأوا الدولة الموازية إلى السلطة منفردين. ويتم، من ثم، إغلاق الباب نهائيًا على إصلاح بنية الدولة وعلى قيام أي ثورة تطالب بالحرية والسلام والعدالة.
منذ تدبيره الانقلاب على النظام الديمقراطي في السودان، في عام 1989، شرع الدكتور حسن الترابي في تمكين أتباعه من كل مفاصل الدولة. وأتبع ذلك بتحويل الأملاك العامة للدولة إلى أملاك لتنظيمه الحاكم ولمنظومة الحكم القائمة. وبعد إبعاده الترابي في عام 1999، ركز الرئيس المخلوع عمر البشير، على حماية نفسه بالجيش والأجهزة الأمنية لكي يأمن على نفسه من أي انقلابٍ تقوم به المجموعة التي ذهبت مع الدكتور حسن الترابي. تطورت الأمور منذ نهاية العشرية الأولى لنظام البشير ليصبح الجيش والأجهزة الأمنية، بمرور السنوات، دولةً كاملةً مستقلةً، تدير اقتصادًا ضخمًا موازيًا، يجري خارج إطار الدولة الأم وأجهزتها التي تقع عليها مهمة رقابة المال العام. وهي دولة تكسب مليارات الدولارات لكنها لا تصرف إلا على نفسها، فقط. وكما ذكر رئيس وزراء الفترة الانتقالية، عبد الله حمدوك، الذي أطاح الفريق البرهان حكومته في 25 أكتوبر 2021، إن حوالي 80% من شركات القوات المسلحة والقوات النظامية تعمل خارج ولاية وزارة المالية على المال العام.
في عام 1993 أنشأ النظام الإخواني في السودان ما تسمى منظومة الصناعات الدفاعية، التي ضمَّت، ضمن ما ضمَّت، مجمع اليرموك للصناعات العسكرية، ومجمع جياد الصناعي الضخم في منطقة الباقير جنوبي الخرطوم. كما ضمَّت مجمع ساريا الصناعي في العاصمة الخرطوم، الذي جرى إنشاؤه في عام 1997. وكغيرها من الجيوش العربية التي سيطرت على مختلف البلدان، اتجهت القوات المسلحة السودانية إلى السيطرة على الاقتصاد ووضعه تحت قبضتها، بل، وقامت بإدارته خارج إطار الدولة. تعدت أنشطة الجيش الصناعات الدفاعية وأخذت تنشئ العديد من الشركات التجارية التي انخرطت في مختلف الأنشطة الاقتصادية. وقد أوردت صحيفة الراكوبة في 8 سبتمبر 2011، أن موسى كرامة المدير الأسبق لشركة الصمغ العربي، الذي كان جزءًا من المنظومة الحاكمة، قال: إن بنية الإقتصاد السوداني قد جرى إخراجها عن مسارها، لتصب في صالح الموالين للحكومة من جيش وشرطة وقوى أمنية. فهؤلاء هم من جعلهم النظام يهيمنون على الشركات شبه الخاصة. وذكر كرامة، أيضًا، أن النظام يمنح ما أسماه “الشركات الرمادية”، العقود بصورةٍ غير شفافة. وقال إن413 شركةً شبه حكومية تسيطر على الاقتصاد السوداني. وأن هذه الشركات ترفض الخضوع للتدقيق والمراجعة. كما أورد الصادق على حسن المحامي الذي تجمعه صلة قرابة بموسى كرامة، في تقرير له نشرته صحيفة الديمقراطي في أول يونيو 2021، أن موسى كرامة قال له: لديَّ وصية أريدك أن تنقلها لجماعتكم في الحكومة (يقصد حكومة الفترة الانتقالية): هنالك أشياء بالضرورة أن يسمعوها متعلقة بالذهب والتعدين وحصائل الصادر والشركات والأفراد الذين ينهبون ثروات البلاد. وكذلك، التهريب الذي لا يزال مستمرًا من خلال شبكةٍ متكاملةٍ تضم نظاميين يعملون بموانئ السودان الجوية والبحرية والبرية، وشبكات خارجية. إلى جانب ذلك هناك قضايا الصمغ العربي والتهريب المستمر واختلال ميزان الصادر والوارد بسبب السياسات الخاطئة.
عبر البرهان استباحت مصر موارد السودان
ورث البرهان هذه البنية الاقتصادية المختلة من نظام سلفه الرئيس المخلوع عمر البشير، فقام بحراستها بل وبالتوسع فيها وتقويتها. سيطر الجيش وجهاز الأمن على تجارة السلع الضرورية. وإلى جانب سهولة جني المال من التجارة في السلع الضرورية الأكثر استهلاكًا، فإن السيطرة على هذا المجال كان لها منذ فترة حكم الرئيس عمر البشير، هدفٌ آخر، وهو استخدامها في خنق أي نظامٍ يعقب نظامهم؛ سواءً إن جاء بثورةٍ شعبيةٍ أو بانقلابٍ عسكري. وهذا ما حدث بالفعل لحكومة الفترة الانتقالية التي قادها الدكتور عبد الله حمدوك. فقد خلقت قوى النظام القديم لحكومة حمدوك ضوائق معيشية بالغة الشدة، كما سبق أن ذكرنا. وهذه الشركات بالإضافة إلى سيطرتها على السلع الضرورية؛ كدقيق الخبز والوقود، فإنها تسيطر أيضًا على وسائل نقل وتوزيع هذه السلع. وعلى سبيل المثال فيما يتعلق باحتكار شركات الجيش تصدير اللحوم، أوردت صحيفة الراكوبة الإلكترونية في 14 مارس 2021، أن وزير التجارة والتموين في الفترة الانتقالية، على جدو، أعلن عن إبرام اتفاق مع نظيره المصري على فتح تصدير الماشية للشركات السودانية دون احتكار لأي جهة. شريطة أن تقوم الشركات المصدِّرة بتحويل العائد للدولة من الصادر إلى بنك السودان، مشيرًا الى إيقاف الشركات التى لا تلتزم بتحويل عائدات الصادر. ويدل هذا على أن عوائد الصادر في الفترة السابقة التي كانت فيها شركات الجيش تحتكر تصدير الماشية إلى مصر، لم تكن تعود إلى الخزينة العامة. وقد كانت شركة الاتجاهات المتعددة، التي تتبع للجيش، هي التي تحتكر تصدير الماشية الحية واللحوم الي مصر، وفق اتفاقٍ خاصٍّ، قبل الإطاحة بالرئيس عمر البشير. وواضحٌ أن ما تضمنه حديث وزير التجارة والتموين في حكومة حمدوك التي أطاح بها الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، أنه عمد إلى تنبيه الجانب المصري إلى أن شركات الجيش لم تكن تدفع عوائد الصادر لوزارة المالية، وإنما كانت تحتفظ بكل ما تحصل عليه من التصدير إلى مصر، لنفسها.
سوريون يهربون الفحم السوداني
لقد سبق أن ذكرت أن درجة الاستباحة التي جرت لموارد السودان، منذ أن صعد الفريق البرهان إلى قمة السلطة، لم تحدث منذ أن ظهر السودان إلى الوجود. والسبب في ذلك أن البرهان قايض مصر أن تحمي استمراره في السلطة نظير فتح الباب لها لنهب موارد السودان. وهو لم يكن مبتدرًا لفاجعة نهب موارد السودان التي وصلت حدًّا لا يُصدق. فقد تفاقمت هذه الظاهرة بصورة بشعة عقب اغتصاب تنظيم الإخوان المسلمين للسلطة وإنشائهم عبر ما أسموه “التمكين” الدولة الموازية. ورث البرهان نهج استباحة موارد البلاد وإخفاءها عن عيون الشعب وتحويل عوائدها للجيوب الخاصة من سلفه الرئيس المخلوع عمر البشير. وهو أمر شهد به عليهم زعيمهم وعرابهم الذي سطا لهم على السلطة وسلمها لهم، ثم أبعدوه، الدكتور حسن الترابي. لكن الفريق البرهان زاد كثيرًا جدًا في استباحة موارد البلاد على ما ورثه من الرئيس المخلوع عمر البشير. وعلى سبيل المثال، جرى الكشف عن أن الفحم المستخرج من حطب الطلح السوداني، المعروف بجودته العالية، يجري إنتاجه وتهريبه بواسطة رجال أعمالٍ سوريين. وغالبًا ما يكون هؤلاء السوريون من جماعة الإخوان المسلمين السورية الذين أتاح لهم نظام عمر البشير فرص الاستيطان في السودان، وقام بمنحهم جوازات سفر سودانية بلا استيفاءٍ للشروط القانونية. بل كشفت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 أن شقيق الرئيس البشير كان يبيع جوازات السفر السوداني لمن يطلبها من العرب والأفارقة. هذا التصدير غير القانوني للفحم السوداني جرى الكشف عنه في الفترة الانتقالية التي ترأس وزارتها عبد الله حمدوك. فقد أوردت صحيفة الجريدة في 17/9/2019 أن رئيس الهيئة الفرعية لعمال رئاسة الهيئة النقابية القومية للغابات معتصم محمد، كشف عن تورّط رجال اعمالٍ سوريين في تهريب فحم الطلح الذي تمّ إيقاف تصديره بطرق غير قانونية بقرارٍ رسمي منذ العام 2013. لكن، رغم ذلك، ظهر أن هناك سوريين لا يزالون يعملون في تصديره إلى الخارج. وقال إن تلك المخالفات أدّت إلى فقدان البلاد 17 مليار دولار من عائدات الفحم بسبب تصديره بهذه الطرقٍ غير القانونية، وأن هذا النشاط تسبّب في زيادة كبيرةٍ في معدلات التصحّر.
مصر تصدِّر الفحم السوداني!
يمكن أن يستورد بلدٌ ما موادَ أوليةً من بلدٍ آخر ثم يُضفي عليها من خلال التصنيع قيمة مضافةً ويقوم بتصديرها. لكن سلعة كالفحم هي في الأصل سلعة جاهزة للتصدير، ويمكن لبلد المنشأ وهو السودان، أن يقوم بتغليفها وتصديرها مباشرةً، والحصول في مقابلها على عملات صعبة، بدلًا عن بيعها للمصريين بالجنيه السوداني، لتقوم مصر بتصديرها وتكسب من وراءها عملةً حرة. لدهشتي، أثناء بحثي في شبكة الإنترنت عثرت على موقع هيئة تنمية الصادرات المصرية الذي يُرمز إليه بالإنجليزية بـ EDA. ورد في هذا الموقع أن شركة مرجان للفحم النباتي تملك مصانع وشركات لإنتاج وتصدير فحم الطلح السوداني من السودان إلى كافة الدول العربية والأروبية. وأن في وسع هذه الشركة التوصيل إلي أي ميناءٍ حول العالم. وتقول الشركة في الترويج لبضاعتها هذه: “فحم الطلح السوداني معروف بجودته العالية ومنافسته لجميع أنواع الفحم النباتي حول العالم”. (تكبير الفنط ووضع الخط تحت الجملتين السابقتين من وضع المؤلف).
أيضًا، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أوردت صحيفة التغيير الإلكترونية في 11 مارس 2023، أن هناك تزايدًا في عمليات التهريب للسلع السودانية لمصر، خاصةً عقب افتتاح معبر أرقين. وأن كميات من الذهب السوداني المُهرَّب يجرى ضبطها في المعبر من قبل الجانبين المصري والسوداني. كما أوردت أن أعداد الماشية التي تصدر يوجد بينها إناث بأعدادٍ قليلة، ويبدو أن السبب في ذلك أن الإناث يجري تهريبهن عبر البر بالطرق البديلة، وتقوم به عصاباتٌ متخصصةٌ تضم سودانيين ومصريين. كما أوردت الصحيفة أن كميات من السمسم يجري تصديرها بطريقة رسمية وأن عدد الشاحنات التي تذهب يوميًّا إلى مصر، وعلى متنها أبقار حوالي (11) شاحنة في اليوم، وتحمل الشاحنة حوالي (150) رأسًا. وقد ذكر عضو القوى الثورية المسماة “تروس الشمال” التي كانت تحجز الشاحنات المصرية الخارجة من السودان، عبد الوهاب سعيد للصحيفة: إنهم اكتشفوا كميات من الشاحنات تحمل إناث الإبل والضأن والأبقار إلى جانب لحوم ذبيح وأطنان من اللحوم المجمدة ليست عليها أختام أو ديباجات. وقال إن هذا الأمر يفتح الباب للمصريين لتغيير اسم بلد المنشأ والإنتاج. أيضًا أوردت صحيفة التغيير الإلكترونية في 19 يناير 2022، أن مدير إدارة الهندسة الزراعية بمشروع الجزيرة، المهندس محمد عبد الله الجدع، وصف ما يحدث في قطاع القطن بالفوضى، وكشف عن تهريب القطن ببذوره دون حلج، إلى خارج السودان بواسطة أجانب. هذا النهب الواسع لثروات السودان ليس وقفًا على هذه السلع التي ذكرناها، فهذه مجرد نماذج. فهناك سلعٌ سودانيةٌ كثيرةٌ عُرف السودان بإنتاجها يجري تهريبها بكمياتٍ ضخمة، كالصمغ العربي، وبذور التبلدي “القونقوليس”، والكركدي، وحب البطيخ، والفول السوداني وغيرها.




