رأي

قراءة في دفتر شعراء الغابة و الصحراء من “العودة إلى سنار” إلى خطابات العنصرية و الكراهية: مفارقة الوعي بين الأمس واليوم

بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن 

 

بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن 

لم يكن مشروع “الغابة والصحراء” الأدبي الذي ظهر في ستينيات القرن الماضي مجرّد تيار شعري أدبي بقدر ما كان محاولة فكرية جادة للإجابة عن سؤال الهوية السودانية، بل أدركوا أنّ السودانوية ليس كيانًا أحاديًّا، بل ملتقى حضارات وثقافات وإثنيات. فجاءت أشعارهم بحثًا عن صيغة جامعة تُعيد تعريف الذات السودانية باعتبارها تمازجًا خلاقًا بين “روح إفريقيا” و“عبق العروبة”، بين “الغابة” رمزاً للأفريقانية و“الصحراء” رمزاً للعروبة.

حين كتب الدكتور محمد عبد الحي رائعته “العودة إلى سنار” كان يحاول أن يستحضر رمزًا تاريخيًا للتمازج السوداني، يقول في إحدى أشهر مقاطعه:

“فافتحوا، حرَّاسَ سنّارَ، افتحوا للعائد الليلة أبواب المدينة

بدوىُّ أنتَ؟

لا

من بلاد الزَّنج؟

لا

أنا منكم تائهٌ عاد يغنِّي بلسانٍ ويصلَّي بلسانٍ”.

هذه الصورة الشعرية ليست وصفًا جماليًا فحسب، بل إعلان فكري بأن السودان وطن تُبنى هويته على التلاقح لا على الإقصاء. شعراء هذه الحقبة أمثال محمد عبد الحي، محمد المكي إبراهيم، والنور عثمان أبكر حاولوا تقديم خطاب يوحّد لا يفرّق، ويبني الجسور بدل أن يزرع الكراهية. كتبوا عن السودان باعتباره فضاءً مشتركًا، وطنًا يتسع للاختلاف.

كتب محمد المكي ابراهيم في قصيدته ” اكتوبر”:

“اسمك الظافر ينمو في ضمير الشعب إيماناً وبشرى وعلى “الغابة والصحراء” يمتد وشاحًا”..

و الاديب النور عثمان ابكر يطرح تساؤلات عميقة عن الهوية في”صحو الكلمات المنسية”:

“الغرس الطيب يعطي الغصن الأخضر و المرعى

من يصعد جبل الرب يبيع حشاه الأوحد كي نعطي غرسا يرجى”…

السودان الذي حلم به هؤلاء الشعراء كان سودانًا يتسع لكل لغاته وثقافاته وألوانه و سحناته و الفكرة المركزية لدى هؤلاء الشعراء كانت الاعتراف بالمكون الأفريقي دون إنكار المكون العربي و تحويل التعدد إلى جمال لا إلى صراع.

الغابة و الصحراء مشروع يُؤمن بأن السودان وطن للجميع، و يقف ضد مشروع يرى السودان خريطة لأصحاب الإمتياز التاريخي. ولهذا، فإن استدعاء تجربة الغابة والصحراء اليوم ليس ترفًا ثقافيًا ولا حنينًا شعريًا، بل ضرورة وطنية لإعادة بناء وجدان سوداني سليم، قادر على العيش، لا على الكراهية.

في المقابل، يقف سودان اليوم أمام موجات كلامية وممارسات سياسية واجتماعية تُجاهر بالعُنصرية، وتمارس التحريض ضد الآخر المختلف إثنيًا أو جهويًا أو ثقافيًا أو سياسيا و لم يعد خطاب الكراهية همسًا أو خطابًا خجولًا، بل صار في كثير من الأحيان خطابًا مُعلَنًا يطل عبر المنابر السياسية ومنصات التواصل الاجتماعي وحتى عبر بعض المؤسسات الإعلامية الرسمية.

خطاب العنصرية المعاصرة هو مشروع إقصاء، يقوم على نفي الآخر وتحقيره وإعادة إنتاج هياكل الهيمنة والتمييز. و هو مشروع يصطحب الماضي لأنه يعيد إنتاج الانغلاق القبلي والعرقي الذي أثبت التاريخ أنه وصفة جاهزة للتمزق والحروب. خطاب العنصرية في سودان اليوم يتبنى منطق النقاء والأحقية والاستعلاء، وهو منطق لم يكن جزءًا من التفكير السوداني المدرك لتكوينه التاريخي. هذا الخطاب يحول الهوية من سؤال ثقافي إلى سلاح سياسي و اجتماعي، و يعيد إنتاج الانقسام بدل تجاوزه.

خاتمة

إن المقارنة بين شعراء الستينيات ودعاة العنصرية اليوم ليست مقارنة بين حقبتين فحسب، بل بين رؤيتين لمستقبل السودان، رؤية تُبنى على الاعتراف والتعايش والاحترام المتبادل، ورؤية أخرى تُغذّي الاحتراب وتشرعن الكراهية، الأولون كتبوا شعرًا ليصنعوا وطنًا أوسع، بينما الآخرون يخطبون ليل نهار ليصنعوا وطنًا أضيق لا يسع إلا أنفسهم. والرهان الحقيقي اليوم هو: أيُّ الرؤيتين سينتصر؟.

المفارقة المؤلمة أن جيل الستينيات رغم بساطة أدواته امتلك وعيًا أعمق من جيل الحاضر الذي يمتلك الإعلام والمنصات، لكنه يفتقد الحكمة و الوعي. و إن العودة لروح الغابة والصحراء ليست حنينًا أدبيًا، بل ضرورة اجتماعية وثقافية لحماية ما تبقى من فكرة الوطن الجامع.

السودان اليوم يحتاج إلى روح الستينيات، إلى وعي يرى في التعدد قوة لا عيبًا مهددا، وفي الاختلاف فرصة لا تهديدًا. فإما أن نختار طريق التعايش، أو نترك للعنصرية أن تقود البلاد نحو مزيد من التشظي و الإنقسام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!