رأي

الحرية والاختبار الصعب

عبد الرحمن ابو رندة...بنسلفانيا

 

عبد الرحمن أبو رندة ..بنسلفانيا 

تمرّ البلاد بلحظة فارقة تختبر فيها معنى السياسة، وقيمة الموقف، وجدوى الأخلاق في الفعل العام. ليست الأزمة الراهنة مجرد صراع على السلطة أو تنازع على النفوذ، بل هي نتيجة تراكم طويل من سوء إدارة التنوع، وغياب الرؤية الوطنية، واستسهال العنف بوصفه أداة للحكم. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح استدعاء الفكر النقدي ضرورة لا ترفًا، ويغدو السؤال عن الحرية والعدالة سؤالًا عن مصير الوطن ذاته.

إن جوهر الأزمة يتمثل في اختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة التي وُلدت على أساس الإقصاء لا يمكن أن تنتج سلامًا، والمجتمع الذي حُرم من المشاركة لا يستطيع حماية وحدته. لقد جرى تهميش الأقاليم، واحتكار القرار، وإعادة إنتاج المركز، حتى أصبحت الهوة بين السلطة والناس سحيقة. ومع كل جولة صراع، تتعمق الجراح، ويغيب الأمل، ويتحوّل الوطن إلى ساحة مفتوحة للتدخلات والصراعات العبثية.

السياسة، في معناها النبيل، هي فن إدارة الاختلاف دون عنف، وبناء التوافق على قاعدة العدالة. غير أن ما جرى هو العكس تمامًا؛ إذ تحولت السياسة إلى ساحة تصفية حسابات، وتحوّل الاختلاف إلى خيانة، وأصبحت القوة معيار الشرعية. في هذا المناخ، تراجعت قيمة العقل، وغابت لغة الحوار، وانحسر المجال العام، فدُفع المواطن ثمنًا مضاعفًا: أمنًا مفقودًا، وخدمات غائبة، ومستقبلًا غائمًا.

إن الحرية ليست شعارًا يُرفع، ولا مطلبًا جزئيًا يُؤجَّل، بل هي أساس أي مشروع وطني قابل للحياة. حرية التفكير، وحرية التنظيم، وحرية التعبير، ليست منحة من سلطة، بل حق أصيل للمجتمع. وحين تُقمع الحرية، يُقمع معها الإبداع، وتُغلق أبواب الحلول، وتُفتح أبواب العنف. لذلك فإن أي معالجة جادة للأزمة تبدأ بالاعتراف بأن الحرية شرط الاستقرار، لا نقيضه.

أما العدالة، فهي الوجه الآخر للحرية. لا عدالة دون مساءلة، ولا مساءلة دون مؤسسات مستقلة، ولا مؤسسات دون إرادة سياسية تحترم القانون. لقد عانت البلاد طويلًا من الإفلات من المحاسبة، فتراكم الظلم، وتحوّل إلى غضب مكتوم انفجر في أشكال متعددة. إن إيقاف دوامة العنف يتطلب شجاعة الاعتراف بالجرائم، وإنصاف الضحايا، ورد الاعتبار، وبناء نظام قانوني لا يفرّق بين قوي وضعيف.

وفي قلب هذا كله، يبرز سؤال الهوية الوطنية. لقد أُسيء استخدام التنوع، بدل أن يكون مصدر ثراء. قُسِّمت الناس على أسس ضيقة، وأُشعلت النعرات، وغُذّيت المخاوف. والحقيقة أن الوطن لا يُبنى بإلغاء الآخر، ولا بتغليب هوية على حساب أخرى، بل بالاعتراف المتبادل، والمواطنة المتساوية، والحقوق المتكافئة. فالدولة التي تحتضن الجميع هي وحدها القادرة على الصمود.

لا يمكن تجاوز الأزمة دون مشروع سياسي جامع، يقوم على رؤية واضحة للانتقال من الحرب إلى السلام، ومن الاستبداد إلى المشاركة، ومن الاقتصاد الريعي إلى التنمية العادلة. مشروع يعيد ترتيب الأولويات: حماية المدنيين، استعادة الخدمات، إعادة بناء التعليم، وإطلاق الاقتصاد المنتج. وهذا يتطلب قيادة تؤمن بالشعب، لا تخشاه؛ وتثق في وعيه، لا تحتقره.

إن دور المثقفين، والنقابيين، والناشطين، والنساء، والشباب، حاسم في هذه المرحلة. فالتغيير لا تصنعه النخب المعزولة، بل القوى الحية في المجتمع. المطلوب ليس اصطفافًا أعمى، بل موقفًا أخلاقيًا واضحًا ضد الحرب، وضد الاستغلال، وضد تزييف الوعي. موقف يربط بين الحرية والسلام، ويؤكد أن لا سلام بلا عدالة، ولا عدالة بلا حرية.

لقد أثبت التاريخ أن الحلول المفروضة بالقوة لا تعيش، وأن الدول التي تتجاهل شعوبها تفقد شرعيتها عاجلًا أو آجلًا. لذلك فإن الخروج من النفق يتطلب شجاعة سياسية، وحكمة اجتماعية، وإرادة وطنية تضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار. لسنا في حاجة إلى مزيد من الشعارات، بل إلى أفعال تعيد الثقة، وتفتح الأفق، وتمنح الناس سببًا للأمل.

في النهاية، يبقى الرهان على الإنسان، وعلى قدرته على التعلم من الألم، وصناعة معنى جديد للحياة المشتركة. فالحرية ليست لنا وحدنا، بل هي قيمة إنسانية لا تكتمل إلا حين تشمل الجميع. ومن هذا الفهم تبدأ الطريق، صعبة نعم، لكنها وحدها الطريق الممكنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!