
القرن الإفريقي بين المسيّرات وحافة الانفجار
نجم الدين دريسة
الحروب الحديثة لا تبدأ بإطلاق النار… بل بانهيار الثقة.
لم يعد ما يجري بين السودان وإثيوبيا مجرد توتر حدودي عابر، ولا خلافاً تقليدياً حول الفشقة أو سد النهضة، بل تحوّل إلى صراع متعدد المستويات، تتداخل فيه الحرب الاستخباراتية مع المعارك الإعلامية، وتختلط فيه الحسابات المحلية بالمشاريع الإقليمية، في واحدة من أخطر لحظات القرن الإفريقي منذ عقود.
المنطقة التي ظلت لسنوات توصف بأنها “خزان الأزمات الإفريقية” تبدو اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى انفجار جيوسياسي واسع، قد يعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات في شرق إفريقيا بالكامل. فالتصعيد المتبادل بين الخرطوم وأديس أبابا تجاوز لغة الدبلوماسية التقليدية، ودخل مرحلة الاتهامات الأمنية الثقيلة المرتبطة بدعم جماعات مسلحة واستخدام الطائرات المسيّرة في عمليات عسكرية غير مباشرة.
الخطير في هذه الأزمة أن طرفيها ليسا دولتين مستقرتين تخوضان نزاعاً تقليدياً، بل دولتان مثقلتان بالأزمات الداخلية، ما يجعل أي تصعيد خارجي بمثابة وقود إضافي لانفجار داخلي محتمل. السودان يعيش حرباً مدمرة أنهكت الدولة والمجتمع والبنية العسكرية، بينما تواجه إثيوبيا تحديات داخلية معقدة رغم اتفاق السلام مع جبهة تيغراي. ولهذا فإن أي اشتعال مباشر بين البلدين لن يبقى محصوراً في الحدود، بل سيتحول إلى زلزال إقليمي يمتد أثره إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي وحوض النيل.
في هذا السياق، جاءت الاتهامات الإثيوبية للجيش السوداني بدعم عناصر مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي لتكشف حجم التحول في طبيعة الأزمة. فإعادة إحياء ملف تيغراي في الخطاب الأمني الإثيوبي ليست مجرد مناورة سياسية، بل رسالة واضحة بأن أديس أبابا تنظر إلى ما يجري باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي. إثيوبيا تدرك أن أي دعم لخصومها الداخليين يمكن أن يعيد إنتاج سيناريو الحرب الأهلية التي كادت تعصف بالدولة خلال السنوات الماضية.
في المقابل، تصعّد سلطة بورتسودان خطابها ضد إثيوبيا عبر اتهامها بالتورط في هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت الخرطوم ومواقع استراتيجية أخرى. هذه الاتهامات تمثل تطوراً بالغ الخطورة، لأنها تنقل الصراع من مرحلة الشكوك السياسية إلى مستوى “العدوان الخارجي” وفق المفهوم القانوني والدبلوماسي. ولهذا لم يكن مفاجئاً أن تلجأ الخرطوم إلى استدعاء سفيرها من أديس أبابا، في خطوة تُعد من أعلى درجات التصعيد قبل القطيعة الكاملة.
لكن الأزمة لا تكمن فقط في الاتهامات، بل في طبيعة الأدوات المستخدمة. فالمسيّرات لم تعد مجرد سلاح تكتيكي محدود، بل أصبحت عنواناً لحروب القرن الحادي والعشرين. إنها سلاح “الحرب الرمادية”، حيث يمكن للدول أن تضرب دون إعلان حرب، وأن تنكر تورطها مع الاحتفاظ بقدرتها على إرباك الخصوم واستنزافهم. وهذا ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً، لأن الحروب الحديثة لم تعد تحتاج إلى جيوش جرارة تعبر الحدود، بل إلى غرف تحكم صغيرة وشبكات دعم استخباراتي وتقني عابر للحدود.
ومن هنا تبرز نقطة جوهرية: استخدام المسيّرات في النزاع السوداني الإثيوبي يشير إلى أن الأزمة تجاوزت إطارها الثنائي، وأصبحت جزءاً من صراع نفوذ إقليمي أوسع. فوجود هذا النوع من التكنولوجيا والقدرات التشغيلية يعني بالضرورة وجود دعم خارجي مباشر أو غير مباشر، سواء عبر الإمداد أو التدريب أو التمويل أو تبادل المعلومات. وهذا ما يفسر دخول أطراف إقليمية ودولية على خط الأزمة، بشكل معلن أحياناً، وضمني في أحيان أخرى.
الموقف المصري مثال واضح على ذلك. فالقاهرة، رغم خطابها الرسمي الداعي إلى التهدئة ورفض التصعيد، أرسلت رسائل سياسية دقيقة من خلال إدانتها لاستهداف مطار الخرطوم والإشارة إلى احتمال انطلاق الهجمات من أراضي إحدى دول الجوار. هذه الصياغة لم تكن بريئة دبلوماسياً، بل تعكس تموضعاً سياسياً محسوباً في سياق الصراع الممتد مع إثيوبيا حول سد النهضة والنفوذ في شرق إفريقيا.
إن قراءة المشهد بمعزل عن ملف سد النهضة ستكون قراءة ناقصة. فالعلاقة بين القاهرة وأديس أبابا تعيش أصلاً حالة توتر مزمنة، وأي أزمة جديدة في السودان تمنح كل طرف فرصة لإعادة ترتيب أوراقه الاستراتيجية. ولهذا فإن السودان لم يعد مجرد ساحة حرب داخلية، بل تحول إلى نقطة ارتكاز في صراع إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات المائية والأمنية والعسكرية.
في الداخل السوداني، لا يبدو المشهد أقل تعقيداً. فالتصعيد تجاه إثيوبيا أثار انقساماً واضحاً داخل النخب السياسية والعسكرية. هناك من يرى أن مواجهة خارجية في هذا التوقيت تمثل مغامرة خطيرة قد تؤدي إلى إنهاك الدولة أكثر، خاصة مع استمرار المعارك الداخلية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق. وهناك من يعتبر أن الصمت على أي تدخل خارجي سيعني عملياً فتح الباب أمام مزيد من الاختراقات الأمنية والعسكرية.
لكن المشكلة الحقيقية تكمن في ارتباك الخطاب الرسمي نفسه. فالتناقضات في الرواية السودانية حول طبيعة الهجمات ومصدرها أضعفت من تماسك الرسالة السياسية، ومنحت إثيوبيا مساحة للتحرك الدبلوماسي المضاد. وفي عالم الصراعات الحديثة، لا تقل أهمية “إدارة الرواية” عن إدارة المعركة نفسها. فالدول لا تخوض الحروب بالسلاح فقط، بل بالمعلومات أيضاً.
الأخطر من كل ذلك أن المنطقة تبدو اليوم بلا مظلة إقليمية قادرة على احتواء التصعيد. الاتحاد الإفريقي يعاني ضعفاً واضحاً في التأثير، ومنظمة الإيغاد تبدو عاجزة عن لعب دور الوسيط الفعال، بينما تنشغل القوى الدولية بحساباتها الخاصة المرتبطة بالممرات البحرية والطاقة والنفوذ الجيوسياسي.
ولهذا فإن القرن الإفريقي يقف الآن أمام لحظة فارقة. إما أن تنجح الأطراف في احتواء الأزمة عبر قنوات دبلوماسية واستخباراتية سريعة، أو أن يتحول التوتر الحالي إلى صراع مفتوح تتجاوز تداعياته حدود السودان وإثيوبيا ليطال مجمل التوازنات في شرق إفريقيا والبحر الأحمر.
في النهاية، ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة حدود أو حرب تصريحات، بل معركة على شكل الإقليم ومستقبل النفوذ فيه. وبين المسيّرات، وحروب الوكالة، والانقسامات الداخلية، تبدو المنطقة وكأنها تسير فوق حقل ألغام سياسي وعسكري شديد الانفجار… وأي خطأ في الحسابات قد يشعل حريقاً لن يتوقف عند حدود بلدين فقط.




