
عبد الحفيظ الامام قسوم
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لم يشهد السودان أي تقدم ملموس نحو السلام، رغم تدفق المبادرات الدولية من الرباعية ،العربية،الأفريقية، الإيقاد، الاتحاد الإفريقي، والمجتمع الدولي الأوسع.
لتحليل هذه الظاهرة، يمكن قراءة استمرار الحرب من منظور إدارة الفوضى المنضبطة، وهي نظرية استراتيجية ترى أن الحروب في بعض الدول الهشة لا تهدف بالضرورة إلى الحسم، بل إلى إبقائها ضمن مستوى يمكن التحكم فيه لتحقيق أهداف إقليمية ودولية.
الفوضى المنضبطة السلام غير مطلوب والحسم ممنوع
في هذا الإطار، يصبح واضحاً أن المبادرات الدولية المتكررة لم تفشل فحسب، بل أدت عملياً إلى إطالة أمد الصراع.
تعدد المبادرات والوسطاء يعيق أي مسار سياسي حقيقي، فكل مسار جديد يعيد تعريف الأزمة ويؤجل الحسم.
وقف إطلاق النار الهش، بلا آليات رقابة أو عقوبات مؤثرة يُستخدم لإدارة الإيقاع العسكري وإعادة التموضع أكثر من كونه خطوة نحو السلام.
الخطاب الدولي المحايد أخلاقياً يمنع أي طرف من تحقيق نصر سياسي، وهو عنصر أساسي في التحكم في الصراع دون إنهائه.
النتيجة السودان يبقى في حالة صراع مستدام، تسمح للقوى الدولية باختبار أدوات النفوذ والقدرات العسكرية دون مواجهة مباشرة.
السودان كساحة اختبار عسكرية واستراتيجية
صفقات التسليح الأخيرة، خصوصاً من باكستان بدعم تركي وسعودي، تكشف عن وظيفة أخرى للحرب: اختبار الأسلحة والتقنيات الجديدة في بيئة قتالية حقيقية.
باكستان تختبر منظوماتها العسكرية، بما فيها المسيّرات والطائرات الهجومية، في حرب طويلة ومعقدة.
تركيا تستفيد من توسيع خبرتها في دمج الأسلحة غير الغربية مع تكتيكات الحرب الحضرية.
الولايات المتحدة والدول الغربية تراقب أداء السلاح الصيني الباكستاني في ساحة فعلية، دون مواجهة مباشرة مع هذه القوى.
بهذا المعنى، الحرب السودانية لم تعد مجرد نزاع داخلي، بل مختبر ميداني دولي.
للحرب اهداف استراتيجية مستترة إلى جانب الاختبار العسكري، هناك أهداف استراتيجية دولية واضحة:
-إضعاف التيارات الإسلامية والسياسية المرتبطة بها، بما فيها الإخوان المسلمين والجماعات الجهادية العابرة للحدود.
-ضغط غير مباشر على مصر عبر استنزاف حدودها الجنوبية وتجربتها على صعيد الأمن الإقليمي.
-تدفق السلع الاستراتيجية السودانية (ذهب، منتجات زراعية، موارد حيوية) إلى دول الجوار بأسعار منخفضة، مستفيداً من انهيار الدولة.
-تحجيم قدرة الدولة السودانية على التشكل ككيان مركزي قوي، يحول دون إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية لصالح أي طرف محلي أو إقليمي.
الانفصال أو التقسيم:
إن أخطر ما في سيناريو التقسيم المحتمل للسودان أنه لا يُطرح كخيار سياسي صريح، بل يُنتَج تدريجياً بوصفه نتيجة طبيعية لـفشل الدولة واستدامة الحرب. في هذه الحالة، لا يأتي التقسيم عبر استفتاء أو اتفاق دولي واضح، بل عبر تراكم وقائع الأمر الواقع: سلطات محلية مستقلة فعلياً، اقتصادات إقليمية منفصلة، ومسارات تفاوض مجزأة. وحين يكتمل هذا المسار، يُعاد تقديم التفكك كحل واقعي لمعاناة إنسانية طال أمدها، لا كنتيجة مباشرة لإدارة الفوضى وإطالة الصراع. إن إدراك هذا الخطر مبكراً هو شرط أساسي لمنع تحوله إلى قدر سياسي، فغياب مشروع وطني جامع، قادر على كسر منطق الفوضى المنضبطة واستعادة فكرة الدولة المركزية العادلة، سيجعل من التقسيم الخيار الأسهل دولياً، والأكثر كلفة تاريخياً على السودانيين
العوامل الداخلية لاستمرار الحرب :-
الفوضى لا تُفرض من الخارج وحده داخلياً الحرب تجد بيئة خصبة في الانقسامات السياسية والقبلية ،تفكك مؤسسات الدولة،اقتصاد الحرب الذي خلق مستفيدين محليين،كل هذه العوامل تجعل أطراف النزاع شركاء صامتين في استمرار الفوضى.
الخلاصة
الحرب في السودان ليست مجرد نزاع داخلي، بل ظاهرة متعددة الأبعاد:
-صراع داخلي على السلطة.
-ساحة اختبار دولي للتكنولوجيا العسكرية.
-أداة لإعادة ضبط التوازنات الإقليمية.
-وسيلة لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية دولية.ان فهم هذا البعد هو الشرط الأساسي لأي محاولة جادة لإيقاف الحرب. أي تدخل لا يغير من منطق إدارة الفوضى لن يكون أكثر من محاولة لإدارة الصراع بدل إنهائه، مع استمرار معاناة السودانيين كخسارة مستمرة بلا نهاية.




