رأي

الفاشر.. ميلاد دولة المواطنة وعبور السودان نحو فجر الخلاص 

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

“حين تتوقّف البنادق عن الكلام، تبدأ الأمم في كتابة سيرة نفسها من جديد.”

“السلام ليس غياب المعارك، بل حضور العدالة.”

في خطابه الأخير بمدينة الفاشر، قدّم الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة السلام والوحدة، أحد أكثر الخطابات عمقًا ونضجًا في التاريخ السياسي السوداني الحديث. لم يكن حديثه احتفالًا بانتصارٍ عسكري، بل كان إعلانًا رمزيًا لبداية التحوّل من منطق الحرب إلى منطق الدولة.

لقد بدا دقلو في خطابه كمن يقرأ من كتاب المستقبل؛ يتحدث عن السودان القادم بعيون من رأى المأساة وعاشها، لا من قرأها في التقارير. وصف تحرير مدينة الفاشر بأنه “نقطة تحول استراتيجية نحو وحدة السودان لا تقسيمه”، وفي تلك العبارة يكمن جوهر التحول: فالوحدة هنا ليست جغرافية فحسب، بل وحدة ضمير ووعي ومسار سياسي جديد.

“من ينتصر بلا أخلاق، ينهزم مرتين؛ مرة أمام خصمه، ومرة أمام نفسه.”

بهذه الروح، أعلن القائد أن المدنيين خط أحمر، وأن أي تجاوزٍ ضدهم لن يُغتفر. ولم يكتفِ بالكلمات، بل شكّل لجنة تحقيق بالفاشر للتحقق من أي انتهاكات، مؤكداً أن احترام الكرامة الإنسانية ليس ترفًا أخلاقيًا، بل قاعدة تأسيس للدولة التي يريدها السودانيون.
وفي سياق ذلك، وجّه قواته بإطلاق سراح أي مدني محتجز بطريقة غير قانونية، ليرسّخ بذلك فكرة أن العدالة تبدأ من الانضباط لا من الانتقام.

كان الخطاب بمثابة خارطة طريق لتأسيس جيش قومي جديد، يخضع بالكامل للسلطة المدنية، ويكون حارسًا لحدود الوطن لا أداةً في يد الطغيان. قالها بوضوح: “الجيش يحمي الوطن، والدستور يحميه الشعب.”
بهذا المبدأ، رسم دقلو الخط الفاصل بين جيشٍ للوطن و”جيوش” للأفراد، مؤكدًا أن زمن الجيوش الحزبية قد ولى إلى غير رجعة.

كما أكد التزام حكومته برعاية أسر الشهداء وأبنائهم، وضمان حقهم في التعليم والصحة والعيش الكريم، في بادرة تؤسس لعدالة اجتماعية لا تعرف التمييز. ولأن البناء لا يكتمل بلا إنسان، دعا دقلو المنظمات الدولية والإقليمية إلى التدخل العاجل لإغاثة مدينة الفاشر وما حولها، معلنًا بدء مرحلة السلام وإعادة الإعمار.

“القائد الحقيقي لا يصنع النصر فقط، بل يمنح الهزيمة معناها.”

لم يكتفِ دقلو بالجانب الميداني، بل قدّم رؤية فكرية عميقة لإعادة تعريف السلطة في السودان. قالها بنبرة حازمة: “لا يوجد ما يسمى إصلاح الجيش القديم، بل تأسيس جيش جديد.”
تلك الجملة وحدها كانت انقلابًا معرفيًا على المفاهيم الموروثة التي حكمت السودان لعقود. إنها دعوة إلى إعادة هندسة الدولة على أسس جديدة، حيث تكون المؤسسات فوق الأشخاص، والمواطنة فوق الولاء، والقانون فوق الجميع.

وفي ذروة الخطاب، بعث برسالة طمأنينة إلى الداخل والخارج معًا:
“نحن دعاة سلام، فرضت علينا الحرب، وسنطوي صفحتها بالفاشر، ونفتح صفحة الإعمار والمصالحة.”
تلك الجملة لم تكن مجرد وعد، بل مانيفستو وطني جديد يعلن عودة السودان إلى سكة التاريخ السليم بعد سنوات من التيه والدم.

“الحرب تكتب التاريخ، لكن السلام يصنع المستقبل.”

لقد أبان دقلو أن النصر بلا مشروع سلام هو مجرد هدنة مؤجلة، وأن ما تحتاجه البلاد ليس إعادة إنتاج القديم بثياب جديدة، بل تأسيس عقد وطني جديد تُبنى فيه الدولة من الصفر على قيم الحرية والعدالة والمواطنة.

من الفاشر، خرج صوت مختلف، يُعيد للسودانيين الأمل في وطنٍ يسوده القانون لا السلاح، والضمير لا الثأر.
إنه خطاب يليق بمرحلة عنوانها: التحول من زمن البنادق إلى فجر الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!