رأي

وهم الانتصار وسقوط السردية: لماذا فشلت سلطة بورتسودان وجيش البازنقر في قراءة لحظة السودان

ابو عبدالله الراشدي

 

 أبو عبد الله الراشدي

ما يجعل المشهد السياسي والعسكري في السودان مثارًا للتهكم ليس فقط حجم الادعاءات التي تطرحها سلطة بورتسودان الفاقدة للشرعية والأهلية في آنٍ واحد، بل ذلك الإصرار المرضي على إعادة تدوير سرديات مهترئة لفظها الواقع منذ الأيام الأولى للحرب. الحديث المتكرر عن “استسلام” قوات الدعم السريع لا يندرج في خانة التحليل السياسي أو التقدير العسكري، بل أقرب إلى الأمنيات الرغائبية التي تعكس انفصالًا كاملًا عن ميزان القوى، وعن التحولات العميقة التي شهدها الوعي السوداني، لا سيما في الهامش.

سلطة بلا شرعية… خطاب بلا وزن

سلطة بورتسودان ليست نتاج تفويض شعبي، ولا ثمرة مسار دستوري، بل كيان طارئ تشكّل تحت ضغط السلاح، وارتهن قراره لقوى إقليمية ودولية تسعى للحفاظ على السودان بوصفه ساحة نفوذ لا دولة ذات سيادة. من هنا، فإن كل المبادرات التي تطرحها هذه السلطة سياسيًا أو عسكريًا تفتقد تلقائيًا لأي معنى أخلاقي أو وطني.

إن التلويح المتكرر بتحقيق “انتصارات حاسمة” أو فرض “استسلام” على قوة موجودة فعليًا على الأرض، لا يسيطر الجيش المختطف حتى على عُشرها، يفضح حالة الإنكار التي تعيشها هذه السلطة. فالشرعية في لحظات التحولات الكبرى لا تُستمد من البيانات، بل من القدرة على تمثيل تطلعات الناس، وحماية مصالحهم، وامتلاك مشروع سياسي جامع. وكلها عناصر غائبة تمامًا عن معسكر بورتسودان.

الشرعية لا تُصنع في الغرف المغلقة، بل تولد في الشارع حين يقرر الناس من يمثلهم

جيش البازنقر… مؤسسة مختطفة أم أداة مستهلكة؟

وصف الجيش السوداني اليوم لا يمكن فصله عن واقع اختطافه من قبل جماعة الهوس الديني، التي أشعلت هذه الحرب بهدف واحد لا غير: إجهاض ثورة ديسمبر الباذخة، والعودة إلى السلطة عبر بوابة الدم. الحديث عن “جيش وطني” في ظل هذا الاختطاف هو تضليل متعمد، لأن الجيش—بوضعه الراهن—لم يعد مؤسسة مهنية مستقلة، بل أداة سياسية بيد قوى الردة ووكلاء الاستعمار.

عسكريًا، أثبتت الوقائع منذ اليوم الأول للحرب أن هذا الجيش المهترئ، المتخرق، والمرتهن لدعم خارجي مباشر من مصر وتركيا وقطر وإيران والسعودية، عاجز عن تحقيق أي اختراق استراتيجي. لقد راهن قادته على حسم المعركة في “أربع ساعات”، ثم “أيام”، ثم “أسابيع”، وها نحن اليوم بعد أكثر من ألف يوم، نواجه ذات البيانات، وذات الوعود الفارغة، وذات العجز البنيوي.

هذا الفشل ليس عرضيًا، بل نتيجة طبيعية لعقود من التسييس، والفساد، وتفريغ المؤسسة من مضمونها المهني. جيش يُستخدم لحماية أنظمة شمولية، وقمع شعوبه، لا يمكن أن يتحول فجأة إلى قوة تحرير أو استقرار.

 الدعم السريع والشرعية الجديدة للواقع

بعيدًا عن شيطنة قديمة عفا عليها الزمن، تبرز حقيقة لا يمكن تجاوزها: قوات الدعم السريع باتت، بحكم الواقع، صاحب الشرعية الفعلية في هذا الصراع. ليس لأن السلاح يمنح شرعية في ذاته، بل لأنها القوة التي ارتبطت—موضوعيًا—بمشروع تغيير جذري، يستهدف تفكيك دولة وكلاء الاستعمار، ووضع حد للإقصاء والظلم التاريخي الممنهج الذي عانى منه الهامش لعقود.

قوات الدعم السريع، بما تمتلكه من قدرات قتالية عالية، وتنظيم مرن، وحضور واسع في الجغرافيا الاجتماعية للسودان، أثبتت تفوقها العسكري منذ الأيام الأولى للحرب. لكن الأهم من ذلك، هو اتكاؤها على رصيد شعبي وجماهيري عريض، تشير تقديرات عديدة إلى أنه يتجاوز 70% من السودانيين الذين آمنوا بمشروع التغيير، وبفكرة إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة: العدالة، والمساواة، والاستدامة.

حين ينحاز السلاح إلى أسئلة العدالة، تتحول القوة من أداة قهر إلى رافعة تغيير

هذا الوعي المتقدم في الهامش هو ما أربك سرديات السلطة، وهو ما جعل كل محاولات تصوير الدعم السريع كـ“قوة معزولة” أو “متمردة” تصطدم بواقع اجتماعي وسياسي مختلف تمامًا.

 وعي الهامش وسقوط سرديات الشيطنة

السرديات التي تسعى إلى شيطنة قوات الدعم السريع ليست جديدة؛ هي ذاتها التي استخدمت لتبرير القتل، والتهميش، ونهب الموارد، باسم “هيبة الدولة” و“وحدة الوطن”. لكنها اليوم تتهاوى أمام وعي هامشي متراكم، لم يعد يقبل أن يكون وقودًا لمشاريع المركز الفاسدة.

الهامش السوداني، الذي صُوّر لعقود كمجرد تابع أو هامش جغرافي، بات اليوم منتجًا للسياسة، وصانعًا للرؤية، وحاملًا لمشروع بديل. هذا الوعي لن يتنازل عن حقوقه المشروعة، ولن يعود إلى مربع الصمت، مهما ارتفعت وتيرة القصف الإعلامي أو العسكري.

إن الحديث عن “استسلام” في هذا السياق يبدو ساذجًا إلى حد السخرية. فالتاريخ يعلمنا أن من يستسلم هو الطرف الذي فقد قضيته، لا من يدافع عن وجوده وكرامته ومستقبله.

لا يُهزم من يقاتل من أجل وجوده، بل من يقاتل نيابةً عن غيره

 من يستسلم فعلًا؟

في المحصلة، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تستسلم قوات الدعم السريع؟ بل: متى يعترف جيش البازنقر ومن يقف خلفه بحقيقة هزيمته السياسية والأخلاقية؟ متى يدرك وكلاء الاستعمار وقوى الردة أن السودان تغيّر، وأن أدوات الأمس لم تعد صالحة لإدارة صراع اليوم؟

إن كل المبادرات الرغائبية التي تخرج من بورتسودان لن تغيّر من الحقيقة شيئًا: لا شرعية بلا شعب، ولا نصر بلا قضية. وبينما يستمر جيش البازنقر في الدوران حول ذاته، عاجزًا عن الحسم، يتقدم مشروع التغيير بثبات، مستندًا إلى وعي الهامش، وإلى تصميم السودانيين على كسر الحلقة الشريرة للفساد والاستبداد.

قالوا استسلام…

والأدق أن يُقال: يستسلم جيش البازنقر، ولن يَسْلِم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!