كمبالا كمرآة للوعي السوداني: الندوة الجمهورية بين استحضار محمود محمد طه وإعادة التفكير في مأزق الدولة والحرب
سمية النور دهب.. دبلن

سمية النور دهب.. دبلن
في لحظة سودانية مثقلة بالحرب والانقسام، جاءت الندوة السياسية التي نظمها الحزب الجمهوري – أمانة شرق أفريقيا – في كمبالا بوصفها مساحة نادرة لاستعادة العقل في زمن الضجيج. لم تكن الندوة احتفالًا تذكاريًا تقليديًا بالذكرى الحادية والأربعين لاستشهاد الأستاذ محمود محمد طه بقدر ما كانت فعلًا سياسيًا وفكريًا جادًا، أعاد طرح أسئلة الدولة والحرية والسلام في سياق الحرب الراهنة.
استدعاء محمود محمد طه لم يكن عاطفيًا، بل تأسيسيًا. فالرجل الذي اغتالته سلطة خافت من فكره، ظل رمزًا لمشروع تحرري يضع الإنسان في مركز السياسة والدين معًا. وفي هذا المعنى، بدت أفكاره حاضرة بوصفها معيارًا أخلاقيًا لقياس انحراف الدولة السودانية، التي فشلت عبر عقود في بناء نظام يعترف بالتعدد ويصون الكرامة.
قدّم الدكتور عمر القراي، المتحدث الرئيس في الندوة، طرحًا صريحًا اتسم بالجرأة والوضوح. تناول نشأة الجيش السوداني باعتبارها نشأة ملتبسة ارتبطت بخدمة الأجندة الاستعمارية، ثم تحوّله لاحقًا إلى مؤسسة مخترَقة ومختطَفة، لا سيما بعد انقلاب الإسلامويين، حيث جرى توظيفه لخدمة مشروع أيديولوجي ضيق، على حساب الدولة والمجتمع. هذا المسار، وفق القراي، مهّد الطريق لحرب أبريل بوصفها نتيجة طبيعية لا حادثًا معزولًا.
في المقابل، لم يُغفل القراي نقد القوى المدنية، واصفًا موقفها من الحرب بالمرتبك، رغم اتفاقها على الأهداف الكبرى. تعدد التحالفات مع تشابه الشعارات كشف عن أزمة تنظيم وإرادة، لا عن فقر في الأفكار. ومن هنا جاءت الدعوة الواضحة إلى اتفاق حد أدنى يوحّد الجبهة المدنية حول إنهاء الحرب والتحول الديمقراطي.
تطرّق النقاش كذلك إلى قوات الدعم السريع، بقراءة تميّز بين الجذور والتحولات، دون تبرئة أو شيطنة، وإلى المخاطر الإقليمية وسياسات الإقصاء التي تهدد بتقسيم السودان على أسس الهوية. كما أعاد القراي التذكير بتجربة تغيير المناهج بوصفها محاولة لبناء وعي وطني جامع قوبلت بمقاومة عميقة.
ما خرجت به الندوة هو أن أطروحات الحزب الجمهوري بدت أقرب إلى الوجدان السليم: خطاب يعالج الجذور، يرفض العنف، ويبحث عن مشروع وطني جامع. في زمن تتقدّم فيه الغرائز، بدت كمبالا لحظة يتقدم فيها العقل.




