رأي

نمتلك القدرة الكافية على البناء وإدارة الدولة

عدنان ابراهيم عبسي

 

عدنان ابراهيم عيسى

لم تكن أزمة السودان في يومٍ من الأيام أزمة موارد، ولا أزمة أرض، ولا أزمة شعبٍ عاجز عن النهوض، وإنما كانت ــ في جوهرها ــ أزمة احتكارٍ للسلطة، وهيمنةٍ تاريخية أقصت غالب أهل السودان عن حقهم الطبيعي في صناعة القرار وإدارة الدولة. فقد ظلت شعوب الهامش، لعقودٍ طويلة، موضوعةً عمداً في خانة العجز، ومحاصرةً داخل صورةٍ ذهنيةٍ زائفة، صُنعت بعناية لتُبقيها بعيدة عن مراكز القرار، محرومة من فرص القيادة، ومقصية عن مواقع التأثير الحقيقي في إدارة البلاد.

 

لقد أُريد لأبناء الهامش أن يكونوا جنوداً في ميادين الحرب، وحراساً لقصور السلطة، وحَمَلةً لأعباء الدولة، دون أن يكون لهم حق المشاركة في صياغة قراراتها أو رسم سياساتها. ظلوا وقود المعارك، وحراس الأنظمة، وسواعد الإنتاج، لكنهم حُرموا من حقهم المشروع في إدارة الموارد البشرية، وتوجيه المقدرات العامة، وصناعة مستقبل السودان. كانت أدوارهم تُختزل في الحماية، بينما تُحتكر السلطة والثروة والقرار في يد قلةٍ صنعت من الدولة إقطاعيةً مغلقة، ومن الوطن ملكيةً خاصة.

 

وعلى امتداد هذا التاريخ المختل، ظلت جماهير الهامش ــ رغم ما تملكه من حكمةٍ وتجربةٍ وصلابة ــ مستبعدة من مؤسسات الحكم، لا لقصورٍ فيها، بل لأن الأنظمة المتعاقبة أدركت أن إشراكها الحقيقي يعني نهاية الامتيازات القديمة، وسقوط البنية التي قامت على التمييز والإقصاء. لذلك أُبقيت هذه الشعوب في أطراف المشهد، بينما كانت في الحقيقة عماد البلاد الحقيقي، وسندها وقت الشدة، وذراعها التي لا تنكسر.

 

لقد ظللنا ــ وللأسف ــ حماةً لحكوماتٍ فاسدة، نذود عن أنظمةٍ لم تكن تمثلنا، ونحرس سلطاتٍ لم تُنصفنا، ونبذل الدم في سبيل دولةٍ لم تُعطنا غير التهميش والتجهيل والإفقار. حرسنا أبواب السلطة طويلاً، بينما كانت السلطة نفسها تُغلق أبوابها في وجوهنا. قاتلنا من أجل وطنٍ لم يمنحنا حق الانتماء الكامل، وصبرنا على نظمٍ لم تُورثنا إلا الجهل والتخلف والحرمان.

 

لكن هذه المعادلة لم تعد قابلة للاستمرار.

 

لقد آن الأوان لأن تنتقل شعوب الهامش من مربع الحراسة إلى موقع القيادة، ومن هامش الدولة إلى مركزها، ومن دور التابع إلى مقام الشريك الأصيل في التأسيس والبناء. آن الأوان لأن نكسر الصورة القديمة التي صاغها المستبدون، وأن نُعلن ــ بوضوحٍ لا لبس فيه ــ أننا لا نمتلك فقط حق الحكم، بل نمتلك كذلك القدرة الكاملة على البناء وإدارة الدولة.

 

إن بناء الدولة ليس امتيازاً عرقياً، ولا ميراثاً سياسياً، ولا حكراً على طبقةٍ بعينها، بل هو فعل كفاءةٍ وإرادة، وشجاعةُ رؤية، وصدقُ انتماء. وشعوب الهامش التي صبرت على القهر، وصمدت في وجه الإقصاء، وقدمت أعظم التضحيات، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أنها الأقدر على فهم معنى العدالة، والأجدر ببناء دولةٍ جديدة تقوم على المساواة، وتُدار بعقلٍ وطني، لا بعقل الغنيمة.

 

واليوم، وفي ظل التحول الجذري الذي يقوده الرئيس محمد حمدان دقلو، تُفتح أمام السودانيين فرصةٌ تاريخية لإعادة تعريف الدولة، لا بوصفها أداةً للهيمنة، بل باعتبارها مشروعاً وطنياً جامعاً. مشروعاً يُبنى على أنقاض التهميش، ويؤسس لواقعٍ جديد تُوزع فيه السلطة بعدالة، وتُدار فيه الموارد بمسؤولية، وتُصان فيه كرامة الإنسان بوصفها أساس الشرعية وغاية الحكم.

 

إننا لا نطلب شفقةً من أحد، ولا ننتظر اعترافاً من مركزٍ ظل ينكر وجودنا، بل نتقدم بثقةٍ كاملة نحو حقنا الطبيعي في القيادة، مسلحين بوعينا، وتجربتنا، وتضحياتنا، وإيماننا العميق بأن السودان الجديد لن يُبنى إلا بسواعد الذين عانوا، ولن يُدار إلا بعقول الذين عرفوا معنى الظلم فقرروا أن يؤسسوا للعدل.

 

لقد حان الوقت لأن نشحذ الإرادة، ونعقد العزم، وننهض بمسؤولية البناء كما نهضنا من قبل بمسؤولية الصمود. حان الوقت لأن نترجم أحلام شعبنا إلى مؤسسات، وتضحيات شهدائنا إلى دولة، وآمال المقهورين إلى واقعٍ يُعاش. دولةٌ تشبه تضحيات شعبها، وتليق بأحلام أبنائها، وتفتح أبواب المستقبل أمام أجيالٍ تستحق أن ترث وطناً لا مزرعة، ودولةً لا غنيمة، وسلطةً لا احتكاراً.

 

نحن لا نبدأ من فراغ، ولا نأتي من العدم، بل نأتي من تاريخٍ طويلٍ من الصبر، ومن مدرسةٍ قاسيةٍ من المعاناة، ومن رصيدٍ هائلٍ من التجربة والقدرة. نملك ما يكفي من الوعي لنفهم، ومن الشجاعة لنقرر، ومن الإرادة لنبني، ومن الانتماء لنحكم بالعدل.

 

ونقول للعالم، بثقة الشعوب التي عرفت طريقها بعد طول ضياع:

 

ها نحن قد حضرنا…

لا لنشكو التهميش من جديد،

بل لننهيه.

لا لنطلب مكاناً في آخر الصف،

بل لنُعيد ترتيب الصف كله.

لا لنكون حراساً لدولة الآخرين،

بل بناةً لدولتنا التي تستحق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!