
د.خالد عبيد. . لندن
ما يجري في السودان اليوم ليس التباسًا في المشهد، ولا حربًا بلا ملامح، بل مشروع عنف واضح تقوده الحركة الإسلامية ونخب الشمال النيلي، ويُنفَّذ على حساب الهامش السوداني العريض، وفق تصور عرقي وجهوي في جوهره، مهما جرى إنكاره أو الالتفاف عليه بخطاب السيادة أو وحدة الدولة.
منذ اللحظة الأولى، كُتبت هذه الحرب بلغة الإقصاء، وتقدّمت بأدوات لا تخطئ هدفها. استهداف الأسواق لم يكن نتيجة “انفلات” أو “أضرار جانبية”، بل سياسة مقصودة لضرب اقتصاد المجتمعات المحلية، وتجفيف مصادر عيشها، ودفعها إلى الجوع والنزوح. واستهداف العمد والمشايخ ليس خطأً استخبارياً، بل عملية كسر متعمدة للبنية الاجتماعية، وتصفية رموز الإدارة الأهلية التي تمثل آخر خطوط التماسك في مناطق الهامش.
أما تدمير آبار المياه، فهو فعل لا يحتاج إلى كثير شرح: سلاح إبادة بطيئة، يُستخدم حين يُراد اقتلاع الإنسان من أرضه، لا هزيمته عسكرياً فقط. ويوازي ذلك استهداف القادة العسكريين من خارج الدائرة الجهوية المهيمنة، في محاولة لإعادة هندسة القوة على أسس انتقائية، لا وطنية.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز ما يُعرف بـ«قانون الوجوه الغريبة» كصيغة غير مكتوبة للتطهير. ليس الفعل هو محل الاتهام، بل الوجود نفسه. الملامح، اللهجة، الاسم، والانتماء الجهوي تتحول إلى قرائن إدانة. ويجري تثبيت هذا العنف المادي بعنف لغوي فجّ، عبر توصيفات عنصرية مثل: «أم كعوك» و«أولاد الضيوف»، وهي مصطلحات لا تُقال عرضاً، بل تُستخدم لتجريد قطاعات كاملة من إنسانيتها، تمهيداً لاستباحتها.
لقد بدأت هذه الحرب بخطاب عرقي صريح، على أيدي الإسلاميين ونخب الشمال النيلي، وتدار اليوم بالمنطق ذاته، وبالأدوات ذاتها، وبإصرار واضح على إتمامها عرقياً، مهما بلغ حجم الخراب. وفي المقابل، فإن الطرف الآخر ليس مشوشاً ولا بلا هدف، كما يُراد تسويقه في الإعلام. أهدافه محددة، ومساره واضح، ويعمل عليها بصبر، يحفر فيها بالإبرة، بينما يستمر خصومه في إنكار طبيعة الحرب، والتستر على جذورها.
إن تجميل الكذب لا يصنع حقيقة، وتدوير اللغة لا يغيّر وقائع الدم. هذه ليست حرباً وطنية جامعة، ولا صراعاً محايداً. إنها حرب تُدار ضد فئات بعينها، بأسماء محددة، وبخطاب معروف، وبسجل طويل من الإقصاء التاريخي. ومن هنا، فإن تسمية الأشياء بأسمائها ليست ترفاً خطابياً، بل واجب أخلاقي وسياسي. فالصمت شراكة، والمواربة خيانة للحقيقة، وأي حديث عن مستقبل السودان لا يبدأ بالاعتراف بطبيعة هذه الحرب، هو حديث بلا معنى.




