رأي

هل لميثاق القاهرة داعٍ؟

دكتور النور حمد

 

دكتور النور حمد

منذ أن أشعل الإخوان المسلمون وجيشهم هذه الحرب الكارثية اللعينة في أبريل 2023، تعدَّدت المواثيق والإعلانات، والمبادرات المنادية بوقف الحرب، من مختلف الجهات الداعمة للثورة. وكان آخر هذه المبادرات ما سُمِّي “ميثاق القاهرة”، الذي وقعت عليه، قبل أيام، بعض القوى السياسية والمهنية والشخصيات القومية. وقد جاء هذا الإعلان المسمى “ميثاق القاهرة”، بعد أسابيع مما سُمِّي “إعلان نيروبي”. واللافت أن بعض الجهات التي سبق أن وقَّعت على “إعلان نيروبي”، وقَّعت، أيضًا، على إعلان القاهرة. فما دلالة خروج إعلانين في بضعة أسابيع؟ وماذا، يا ترى، يعني تعدُّد المواثيق والإعلانات؟ وهل لهذه الإعلانات والمواثيق ضرورة؟ وهل لها فائدةٌ عملية؟

هناك، كما هو معلوم، إعلان الرباعية، وهو إعلان قبلته مختلف القوى السياسية المؤمنة بثورة ديسمبر المجيدة وأهدافها. وقد جاء في إعلان الرباعية: “إن سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه ضرورية لتحقيق السلام والاستقرار”. وجاء أيضًا: “لا يوجد حلٌّ عسكريٌّ، قابلٌ للتطبيق، للصراع، والوضع الراهن يخلق معاناة غير مقبولة ومخاطر تهدد السلام والأمن”. كما جاء فيه أيضًا: “يجب على جميع أطراف الصراع تسهيل وصول المساعدات الإنسانية والسريعة والآمنة وغير المعوِّقة إلى جميع أنحاء السودان”. ومن أهم ما ورد في إعلان الرباعية: “إن مستقبل الحكم في السودان متروك للشعب السوداني ليقرره من خلال عملية انتقال شاملة وشفافة، لا تخضع لسيطرة أيِّ طرفٍ متحارب”. وأنه: “لا يمكن أن يُملي مستقبل السودان الجماعات المتطرفة العنيفة التي هي جزء من جماعة الإخوان المسلمين أو مرتبطةً بها بشكلٍ واضح”.

الأهم، في نظري، أن تدعم القوى المدنية توجُّه الرباعية، بدل أن تأتي، كل حينٍ وآخر، بإعلاناتٍ ومواثيق جديدةٍ، لا تدل إلا على تشرذم القوى المدنية. كما أن بعض هذه المواثيق والإعلانات أقل خدمةً لأهداف الثورة، مما حمله إعلان الرباعية. وميثاق القاهر يعطي مثالاً لهذا المنحى. لقد جاء إعلان الرباعية واضحًا جدًا فيما يتعلق برفض هيمنة العسكر على السياسة، وذلك حين نص على أن عملية الانتقال الشاملة الشفافة ينبغي ألا: “تخضع لسيطرة أي طرفٍ متحارب”. هذا في حين أن ميثاق القاهرة صمت عن أن يشير بوضوحٍ إلى ضرورة إبعاد القوى الحاملة للسلاح من الهيمنة على العملية السياسية. وحين ورد في نص إعلان الرباعية: “لا يمكن أن يُملي مستقبل السودان الجماعات المتطرفة العنيفة التي هي جزء من جماعة الإخوان المسلمين أو مرتبطة بها بشكلٍ واضح”، نجد أن ميثاق القاهرة قد نص على إجراء: “حوار شفاف بين القوى المدنية بكل مكوناتها الحزبية”، جاءت عبارة ميثاق القاهرة هكذا: “بكل مكوناتها الحزبية”، من دون أي إشارة إلى استثناء قوى النظام القديم من هذا الحوار. وهذا مخالف لإعلان الرباعية. وفيه، من وجهة نظري، تمييعٌ لإعلان الرباعية، وعمدٌ مُضمرٌ نحو خفضٍ السقف الذي نص عليه.

من يفهم التوجهات السياسية للأحزاب السودانية المختلفة يستطيع أن يرى أن قبول الحزب الاتحادي الأصل، (السيد محمد عثمان الميرغني)، التوقيع على ميثاق القاهرة هذا، يعني، وبالضرورة، رضا النظام المصري التام، عن هذا الميثاق. والنظام المصري، من وجهة نظري، لا يرضى في شأن السودان، إلا بما يخدم مصالحه، على حساب مصالح شعب السودان. فمصر قد ظلَّت منخرطةً، منذ فض اعتصام القيادة في 3 يونيو 2019، ومرورًا بانقلاب 25 أكتوبر 2021، في محاولات مستميتةٍ لهزيمة ثورة ديسمبر. وقد بلغ بها الحرص على هزيمة الثورة وإبقاء العسكر في الحكم، حدَّ الانخراط عسكريًا، ولوجستيًا، وإعلاميًا في هذه الحرب اللعينة. ورغم أن النظام المصري جزء من الآلية الرباعية، إلا أنه ظل يعمل بلا توقف، عبر مناوراتٍ عديدةٍ، على اجهاض إعلان الرباعية، وتفريغه من محتواه.

لقد حوَّلت هذه الإعلانات والمواثيق الحرب مع العدو الرئيسي، وهو تنظيم الإخوان المسلمين وجيشهم الحارس لهيمنتهم على كل شيء، إلى اشرئبابٍ بالرقاب، من عديد القوى، للبروز في موقع الممثِّل الشرعي للثورة. وهو نهجٌ يدلَّ على تشرذم قوى الثورة. فالمطلوب، أوَّلاً، هو أن تتحد قوى الثورة، لا أن يأتي كلُّ فصيلٍ منها، بين حين وآخر، بإعلان وميثاق جديدٍ، لا يفعل شيئًا سوى إظهار الانقسامات واختلاف الرؤى بين قوى الثورة. بل إن ما يفعله هذا النهج هو أن يقود المجتمعين؛ الدولي والإقليمي إلى النظر إلى جيش الإخوان المسلمين بوصفه الخيار الأوحد المتبقي للملمة شمل الأمن، في بلدٍ يقف على حافة انفراط العقد، والتحوُّل إلى كانتوناتٍ للوردات الحرب. ويمكن للمرء أن يقول، إن ما يميِّز الإخوان المسلمين وجيشهم، عن هذه القوى المدنية المترفعة عن التنسيق مع تحالف تأسيس، أن للإخوان المسلمين وجيشهم خطابًا واحدًا، ثابتًا لا يتغير. وأن لهم رؤيةً واضحةً يصرون عليها. أما القوى المدنية فلها خطاباتٌ عديدةٌ، تتغير من حينٍ لآخر، ولا يبدو أن لهم إصرارًا على هدفٍ جوهريٍّ موحَّد. كما يبدو أنها قوى مستقطبةً من قِبَل جهاتٍ خارجيةٍ عديدة.

البلاد مقسَّمةٌ اليوم بين قوتين عسكريتين ممسكتين فعليًّا بالأرض. الأمر الذي يجعل إصدار هذه الإعلانات والمواثيق مجرد بالونات في الهواء، لا يلقي إليها بالاً أحدٌ من الفاعلين الدوليين والإقليميين. فالموقف الصحيح، من وجهة نظري، أن تنسق القوى المدنية الداعمة للثورة جهودها مع القوة التي تحمَّلت عبء الحرب التي أشعلها الإخوان المسلمون ضدها، بسبب وقوفها مع الاتفاق الإطاري. خاصةً، وإن الجميع يعلمون أن الفريق البرهان، وجيشه وكتائبه الداعشية، وداعميه الإقليميين، ماضون في وجهة حسم الحرب الجارية، بالسلاح، والسلاح وحده. ولو، لا قدر الله، قادت الأمور إلى هزيمة تحالف تأسيس عسكريًا، فإن هذه القوى المدنية التي تلفَّعت بدثار الحياد، عديم التأثير على مجريات الواقع، لن يكون في حوزتها ما يمكن أن تفاوض به الإخوان المسلمين وجيشهم. بل، لن تجد هذه القوى أمامها سوى المشانق، حتى إن هي رضيت بالانصياع الكامل للإخوان المسلمين وجيشهم. ولقد أعلن الإخوان المسلمون وجيشهم، منذ الآن، عن تصميمهم على تصفية قيادات القوى المدنية بتهمة الخيانة.

الموقف المتعالي على الانحياز للطرف الذي يناهض سيطرة الإخوان المسلمين وجيشهم، ويدفع في ذلك الدم، يومًا بعد يوم، موقفٌ هلاميٌّ معلَّقٌ في الهواء. فهو موقفٌ يتلفع بمثاليةٍ لا وجود لها في هذا العالم، اللهم إلا لدى طائفة الكويكرز ممن يرفضون حمل السلاح، غضَّ النظر عن السبب الداعي له، ولو كان دفاعًا عن النفس. ويُشار إلى هؤلاء في الأدبيات الغربية بعبارة conscientious objectors. عمومًا، لو كان لهذا الموقف، الذي يسمه أهله بـ “الحياد”، فعلٌ في الواقع القائم حاليًّا، فإنه فعلٌ ينحصر، وبالضرورة، في دعم جهود النظام القديم المستميتة للبقاء. بل لقد أثمر هذا المنحى الحيادي ثمراتٍ جناها الإخوان المسلمون وجيشهم للبقاء في السلطة، كما كانوا قبل الثورة.

يستطيع الدارس للشؤون السياسية السودانية أن يقول، وباطمئنانٍ شديدٍ، إن الانقسام ظاهرةٌ سودانيةٌ صميمةٌ بامتياز. وأن يقول أيضًا، إن القوى السودانية من أكثر القوى السياسية اتِّسامًا بعدم القدرة على العمل معًا، في تناغمٍ وثبات. هذه الظاهرة ليست جديدة، وإنما قديمةٌ ويمكن تتبعها منذ مؤتمر الخريجين، في ثلاثينات القرن الماضي. وقد تشعَّبت، ظاهرة الانقسامات وعدم القدرة على العمل كفريق، مع تعقيدات التطورات السياسية، لتتخلق منها شبكةً لا تنفك خيوطها تزداد تشابكًا، بصورةٍ جعلت فكفكتها أمرًا بالغ الصعوبة. إن وضع السودان على منصة التأسيس، لبناء الدولة فيه، من جديدٍ، لن يتم عن طريق الحياد تجاه الصراع المرير الجاري حاليًا. فهذه المعركة هي معركة التحرير الكبرى التي ينبغي أن تنتزع السودان من هيمنة المحاور الإقليمية والدولية. فتعنت الإخوان المسلمين وإعلانهم إصرارهم على البقاء مسيطرين بقوة السلاح، يقتضي وجود قوة معارضة ذات رأسين؛ مدني وعسكري. وقد قادوا هم بأنفسهم إلى تشكيل هذه القوى بإشعالهم حرب 15 أبريل 2023. وتتمثل هذه القوة الآن في تحالف تأسيس. فمن الخير لمختلف القوى المدنية أن تعمل على التنسيق مع تحالف تأسيس، بدل أن تبقى في هذه الحوصلة المعزولة من الحياد السلبي، الذي لن يلبث أن يقذف بها في فراغ اللاتأثير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!