
إيمان التجاني
ليست كل الجرائم متساوية، فهناك جرائم ترتكب في لحظة غضب أو تحت ضغط المعركة، وهناك جرائم تكشف طبيعة المشروع الذي يقف خلفها وعقليته ونظرته إلى الإنسان والحياة. وعندما تصل الحرب إلى مرحلة استخدام الأسلحة الكيميائية، فإن الحديث لا يعود عن تجاوزات ميدانية أو أخطاء عسكرية، بل عن سقوط أخلاقي كامل وانحدار إلى واحدة من أكثر الممارسات وحشية في التاريخ الحديث.
إن أخطر ما في الاتهامات المتصاعدة بشأن استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية ليس حجمها القانوني فحسب، بل ما تكشفه من استخفاف مروع بحياة السودانيين أنفسهم. فالسلاح الكيميائي لا يعرف التمييز بين مقاتل ومدني، ولا يفرق بين طفل وامرأة وشيخ، ولا يتوقف أثره عند حدود لحظة الهجوم، بل يمتد إلى التربة والمياه والهواء وأجساد البشر لسنوات طويلة. ولذلك لم تتعامل الإنسانية معه كسلاح حرب عادي، بل صنفته ضمن أكثر الأسلحة بشاعة وإجراماً وحظراً.
وإذا كانت بعض الجرائم تحتاج إلى شهود لإثباتها، فإن جرائم الكيميائي تترك بصماتها في كل شيء. تظهر في الأجساد المنهكة، وفي الأمراض الغريبة التي لم تكن معروفة من قبل، وفي حالات الإجهاض المفاجئة وسط النساء الحوامل، وفي نفوق الحيوانات والأسماك، وفي الخوف الذي يتسلل إلى المجتمعات المحلية حين تبدأ الظواهر غير الطبيعية في الظهور تباعاً. هذه ليست تفاصيل عابرة، بل مؤشرات خطيرة ظلت تتكرر بصورة لافتة في مناطق مختلفة شهدت العمليات العسكرية.
ولذلك لم يكن مستغرباً أن يتحول الملف إلى قضية دولية كبرى. فالولايات المتحدة لم تتحدث عن شبهة أو احتمال، بل أطلقت اتهاماً رسمياً فتح الباب أمام واحدة من أخطر المواجهات القانونية والسياسية التي قد تواجهها قيادة الجيش السوداني. ومهما حاولت الجهات المتهمة التقليل من أهمية الخطوة، فإن الحقيقة الواضحة هي أن مثل هذه الاتهامات لا تصدر اعتباطاً، ولا تبنى على الشائعات أو الانطباعات، بل تأتي بعد عمليات طويلة من الرصد والتحليل وجمع المعلومات
لكن الأكثر إثارة للدهشة أن المؤسسة العسكرية اختارت طريق الإنكار بدلاً من طريق الشفافية. فبدلاً من الترحيب بتحقيقات مستقلة تكشف الحقيقة للرأي العام، جاء الرد عبر النفي والتشكيك والهروب إلى الخطاب السياسي التقليدي. وكأن حياة السودانيين أقل قيمة من أن تستحق كشف الحقائق كاملة. وكأن المطلوب من الضحايا أن يصمتوا، ومن العالم أن يغض الطرف، ومن التاريخ أن ينسى.
إن القضية هنا لا تتعلق بمواجهة بين الجيش وخصومه السياسيين أو العسكريين، بل تتعلق بحق الإنسان السوداني في الحياة. فمن يستخدم السلاح الكيميائي ضد شعبه أو داخل أراضيه لا يشن حرباً على خصومه فقط، وإنما يشن حرباً على المستقبل نفسه. لأن آثار هذه الجرائم لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل تبقى كامنة في البيئة والصحة العامة والذاكرة الجماعية للأجيال القادمة.
والمؤلم في كل ذلك أن السودان الذي كان يحتاج إلى مستشفيات ومدارس ومشروعات تنموية وجد نفسه أمام اتهامات ترتبط بأكثر الأسلحة إثارة للرعب في العالم. فبدلاً من أن ينشغل قادة الحرب بوقف النزيف الوطني، أصبحوا منشغلين بالدفاع عن أنفسهم أمام اتهامات تهدد بوضع البلاد في واحدة من أسوأ الزوايا المظلمة في سجل النزاعات المعاصرة.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الحقيقة قد تتأخر لكنها لا تموت. وكل الملفات التي حاولت الأنظمة والجيوش دفنها عادت يوماً لتطارد أصحابها. وما يجري اليوم في ملف الأسلحة الكيميائية ليس سوى بداية طريق طويل من الأسئلة والتحقيقات والمطالبات بالمحاسبة. فالعالم قد يختلف حول السياسة، وقد يتسامح أحياناً مع كثير من الانتهاكات، لكنه لا يتسامح بسهولة مع جرائم الكيميائي.
ولهذا فإن القضية لم تعد مجرد اتهام سياسي، بل أصبحت امتحاناً أخلاقياً وقانونياً وتاريخياً. امتحاناً يكشف من وقف مع الإنسان ومن وقف ضده، ومن احترم حق السودانيين في الحياة ومن تعامل معهم باعتبارهم مجرد خسائر جانبية في حرب عبثية مفتوحة.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يواجه الجيش السوداني اليوم ليس العقوبات ولا الضغوط الدولية، بل ذلك السؤال الذي سيبقى معلقاً في وجهه مهما طال الزمن: إذا كانت الحرب تُخاض باسم حماية الوطن، فكيف انتهى الأمر باتهامات تتعلق باستخدام أكثر الأسلحة تحريماً ضد أبناء الوطن أنفسهم؟




