
فيصل أبكر شرف
غدا ستنتهي الحرب وسيجلس القادة يبتسمون ويتصافحون فماذا سيكون حالك أنت يا من فقدت أخاك أو ابنك بسبب تحريض سياسي وهل سألت نفسك يوما لماذا يدفع بأبناء دار زغاوة إلى محارق الموت بينما يتمتع المحرضون بالأمن في الفنادق إليكم هذه الحقائق المجردة لعل الوعي يستيقظ قبل فوات الأوان فالمقال الذي بين يديك ليس دعوة للخصومة بل هو دعوة للمقارنة الهادئة بين مشروعين وموقفين فقبل أن تهاجم الكاتب أو تحاكم النوايا حاكم الوقائع المذكورة بعقلك لا بعاطفتك وانظر بعين البصيرة إلى مآلات الأمور فالكلمة أمانة والقراءة وعي والمستقبل لا يرحم من غيب عقله خلف شعارات الزيف
إن التاريخ لا يحابي أحداً والذاكرة الجماعية للأمم لا تحتفظ إلا بالحقائق المجردة التي تفرض نفسها في أوقات المحن الكبرى ويجب أن ندرك يقيناً وعاطفةً أن هذه الحرب مهما استعرت واستطالت فإن نهايتها محتومة لا تخرج عن خيارين إما بانتصار عسكري يفرض واقعاً جديداً أو بعملية سلام شاملة تجلس الجميع حول مائدة التفاوض وفي كلتا الحالتين سيلتقي الخصوم السياسيون ويتبادلون المصافحة في اتفاقات سياسية مرتقبة ولكن السؤال المرّ والجرح النازف هو ما هو موقف القبيلة التي قُسم أبناؤها وحُرضوا ضد بعضهم البعض وما هو حال الأسرة الواحدة التي زرع فيها التحريض بذور الشقاق حتى صار الأخ يرى في أخيه عدواً إن الحرب ستنتهي بالمنتصر أو بالسلام ولكن كيف سنواجه بعضنا البعض في البيوت بعد أن جُرّ الناس إلى انقسامات حادة داخل البيت الواحد وما يمر به كيان الزغاوة اليوم هو صراع بين منهجين في القيادة حيث يقف في الكفة الأولى مني أركو مناوي و جبريل إبراهيم من موقعيهما في بورتسودان متبعين نهجاً يعتمد على المتاجرة بالآلام وتجييش العواطف واستخدام المال السياسي لتصوير الحرب على أنها معركة وجود ولقد رأينا كيف تاجر هؤلاء بمأساة معسكر زمزم والفاشر وذرفوا دموع التماسيح في الميديا العالمية لاستدرار العطف وتبرير قراراتهم العسكرية وعندما استنفدوا غرضهم من تلك المآسي وانتهى استغلالها انتقلوا الآن بذات المنهج إلى قلب منطقة الكيان في دار زغاوة لمحاولة تحويل الأرض والأهل إلى وقود جديد لمعاركهم السياسية هؤلاء يمارسون السمسرة بدم الشباب ويحاولون دفعهم إلى محارق الموت تحت لافتات مجالس شورى منقوصة الشرعية تخدم أجندات بورتسودان في المقابل يبرز الموقف المسؤول والناضج لكل من سليمان صندل و الطاهر حجر ضمن مظلة التحالف التأسيسي ورغم أن هؤلاء القادة يمتلكون ذات الثقل العسكري والقدرة المالية التي تمكنهم من الحشد والتجييش المضاد إلا أنهم نأوا بأنفسهم وبقبيلتهم عن هذا المنزلق الخطير واختاروا بوعي سياسي وحنكة ألا يجعلوا من القبيلة وقوداً لمعركة سياسية بالوكالة إن الصمت المسؤول الذي التزم به سليمان صندل و الطاهر حجر نابع من فلسفة سياسية تؤمن ببناء الدولة لا ببناء القبيلة ولو كان هم هؤلاء القادة الحفاظ على مكاسبهم الشخصية لتمسكوا بكراسي السلطة حيث كان الطاهر حجر عضواً في مجلس السيادة و سليمان صندل رئيساً مناوباً للجنة الترتيبات الأمنية وهي أرفع المواقع السيادية لكنهم ضحوا بتلك الامتيازات من أجل تغيير مفهوم الدولة وتأسيس واقع يحترم المواطنة ويسع الجميع لا واقعاً يسوق القبيلة إلى محرقة الحرب من أجل بقاء مني أركو مناوي و جبريل إبراهيم في كراسيهم الذين يصرون على إقحام الأهل في حرب موهومة ليختبئوا خلفهم من تبعات فشلهم السياسي التاريخ سيسجل بمداد من نور أن هناك قادة ترفعوا عن المتاجرة باسم القبيلة وقادة آخرين حافظوا على النسيج الاجتماعي ترقباً ليوم الانتصار أو السلام والزغاوة يظلون هم الزغاوة والدم لا يصير ماء من أجل حفنة دولارات والوعي الشعبي اليوم هو الضمانة الوحيدة لكسر دائرة التحريض التي تنطلق من بورتسودان لضرب استقرار دار زغاوة وتمزيق أرحامها التي لم تنقطع يوماً عبر القرون وإن غداً لناظره قريب غداً حين تضع الحرب أوزارها وتنكشف الغمة سترون بوضوح من الذي تاجر بأرواحكم ومن الذي جعل من دمائكم الغالية ثمناً لموقفه السياسي ومن الذي جعل من أبنائكم قرابين للسلطة منذ عام 2003 وحتى اليوم وأنتم وحدكم من يدفع ضريبة هذه المتاجرة البخسة فليكن كل منكم واعياً لما يفعله ولتدركوا أن من يحبكم حقاً هو من يحقن دماءكم ويصون داركم لا من يقودكم إلى الهاوية بوعود زائفة ومالٍ مسموم فالتاريخ لا يرحم والمستقبل يشهد والرحم سيبقى والحكام زائلون




