
عبد الرحمن أبو رندة.. بنسلفانيا
السردية المصرية تسيطر على المبادرة
أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن استعداده لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا لحل أزمة سد النهضة، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الدبلوماسية والإقليمية. ومع ذلك، فإن ما يلفت الانتباه هو اعتماد تصريحات ترامب شبه الكامل على السردية المصرية حول الأزمة، دون مراجعة أو تقييم مستقل للحقائق على الأرض.
القاهرة، منذ عقود، تتبنى خطابًا يركز على “حق مصر التاريخي في مياه النيل”، مستندة إلى اتفاقيات قديمة تعود إلى أوائل القرن العشرين، بينما تتجاهل بشكل صارخ حقوق دول الحوض الأخرى، وخاصة إثيوبيا، التي ترى في السد مشروعًا حيويًا لتحقيق التنمية الاقتصادية والطاقة الكهرومائية. اعتماد ترامب على هذه السردية دون تمحيص يجعل المبادرة الأمريكية تبدو منحازة، ويميل إلى تأكيد موقف مصر على حساب العدالة الإقليمية.
من هنا، يمكن القول إن المبادرة الأمريكية ليست مجرد محاولة لحل النزاع، بل تعكس تصورات أحادية الجانب يمكن أن تزيد من الاحتقان السياسي بين الأطراف، خاصة وأن إثيوبيا لم تصدر أي رد رسمي حتى الآن، وهو ما يعكس رفضاً ضمنياً للمبادرة التي لا تأخذ مصالحها بعين الاعتبار.
حياد مفقود يقلل فرص النجاح
الوساطة الدولية الناجحة تتطلب حيادًا صارمًا؛ فالوسيط الفعال يجب أن يكون قادرًا على خلق ثقة متبادلة بين الأطراف، بحيث يشعر كل طرف بأن مصالحه وحقوقه محفوظة. تصريحات ترامب، التي ركزت على ضرورة حماية “حق مصر في حصتها من مياه النيل” و”تجنب استئثار أي دولة بالمياه”، توحي بأن المبادرة الأمريكية لا تنطلق من منصة محايدة.
هذا التحامل على إثيوبيا، حتى وإن كان غير مقصود على مستوى النية، يجعل من الصعب على أديس أبابا المشاركة بفاعلية في أي مفاوضات. فإثيوبيا ترى في السد مشروعًا استراتيجيًا لا يمكن التخلي عنه، ويشكل جزءًا من خطتها الوطنية للتنمية الاقتصادية وتوليد الكهرباء، خصوصًا في ظل الطلب المتزايد على الطاقة في البلاد.
بدون مراجعة شاملة للسرديات وتعديل صياغة المبادرة لتكون أكثر توازنًا، ستظل الوساطة الأمريكية غير فعالة، وستواجه صعوبة في تحقيق أي اختراق ملموس على الأرض.
القاهرة تتجاوز حدودها
منذ الإعلان عن مشروع سد النهضة، اتبعت مصر سياسات ضغط متعددة على إثيوبيا والسودان، مستخدمة أدوات دبلوماسية وسياسية وحتى عسكرية ضمنية. القاهرة لم تسعَ فقط لحماية حصتها من مياه النيل، بل حاولت فرض شروطها بشكل يهدد استقرار الحوض المائي ككل.
التركيز على حقوق مصر فقط في أي مبادرة أمريكية، دون النظر إلى مصالح إثيوبيا أو السودان، يضع المبادرة في موقع منحاز. هذا الموقف يعكس تخطي الحدود الدبلوماسية لمصر، ويجعل أي وساطة، مهما كانت النوايا أمريكية، أقل قدرة على تحقيق مصالح مشتركة أو حل النزاع بطرق سلمية ومستدامة.
هذا التحامل يثير تساؤلات حول جدوى المبادرة الأمريكية، خاصة أن التاريخ يظهر أن القاهرة كثيرًا ما تعاملت مع أزمة النيل بمنطق الاستحواذ والهيمنة على الموارد، متجاهلة التوازن الإقليمي، وهو ما يحتاج إلى معالجة جذرية في أي وساطة دولية.
سلطة بورتسودان تسبح مع القاهرة
جانب آخر مهم يؤثر على نجاح المبادرة الأمريكية، وهو موقف السودان، وبالتحديد سلطة بورتسودان. الترحيب الرسمي السوداني بالمبادرة، دون أي تحفظات أو مراجعة نقدية، يعكس ميل السلطة نحو التماهي مع الموقف المصري.
هذا الانحياز يقلل من وزن السودان كطرف مستقل في الأزمة، ويضعه في موقع تابع للأجندة المصرية، بدلاً من أن يكون شريكًا فعالًا قادرًا على المساهمة في الوصول إلى حل متوازن. وعلى الرغم من أن السودان يتأثر مباشرة بأي تصعيد في قضية السد، إلا أن موقفه يبدو أكثر اهتمامًا بالحفاظ على علاقاته مع القاهرة من التركيز على مصالح شعبه أو على التوازن الإقليمي.
تلك الديناميكية تجعل من الصعب على أي وساطة أمريكية أن تحقق نجاحًا حقيقيًا، خاصة إذا لم تتعامل مع السودان كطرف مستقل قادر على التفاوض بمرونة وحماية مصالحه الحيوية.
من سيدفع الثمن؟
الغائب الأكبر في كل هذه المناورات هم شعوب القرن الأفريقي، خاصة السودانيين والإثيوبيين، الذين قد يتحملون التبعات المباشرة لأي تصعيد سياسي أو أمني نتيجة مبادرة أمريكية متحيزة.
التوتر حول سد النهضة قد يؤدي إلى آثار اقتصادية وبيئية كبيرة، تشمل تقليل الإمدادات المائية خلال فترات الجفاف، والضغط على الأراضي الزراعية، وتأثيرات على الأمن الغذائي، خصوصًا في السودان وإثيوبيا. كما أن أي تحرك متسرع أو مبادرة غير متوازنة قد يشعل شرارة صراع عسكري غير مرغوب فيه، وهو ما سيزيد من معاناة المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة في النزاع بين القوى الكبرى.
من هنا، يصبح من الضروري أن تضع أي وساطة حقيقية مصالح شعوب المنطقة في المقام الأول، لا أن تتحول إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية أو دعم طرف على حساب آخر.
مراجعة السرديات شرط للنجاح
لتحقيق اختراق حقيقي في أزمة سد النهضة، على الإدارة الأمريكية، وأي وسيط دولي، أن يراجع السرديات الأحادية، ويعيد تقييم المبادرة لتكون محايدة تمامًا. الحل لا يمكن أن ينبع من منصة منحازة أو من تصور أحادي، بل يجب أن يعكس الحقائق التاريخية والقانونية لكل الأطراف، ويضمن العدالة في توزيع الموارد ومصالح التنمية.
أي وساطة تفتقد هذه المعايير لن تكون أكثر من إعلان رمزي، قد يزيد التوتر بدل أن يحل النزاع. بينما تحتاج المنطقة إلى اتفاق قانوني ملزم يوازن بين مصالح مصر والسودان وإثيوبيا، ويضمن الأمن المائي والاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.
طريق طويل أمام الوساطة الأمريكية
تصريحات ترامب ومبادرته حول سد النهضة، رغم النوايا المعلنة، تكشف عن تحيز واضح للسردية المصرية، وهو ما يجعل فرص نجاحها في حل النزاع ضئيلة. دون مراجعة هذه السرديات والاعتراف بحقوق جميع الأطراف، ستظل المبادرة رمزية فقط، ولن تحقق أي تأثير ملموس على أرض الواقع.
الحل الحقيقي يتطلب وساطة متوازنة، حيادية، ومبنية على أساس القانون الدولي ومصالح شعوب المنطقة، لا على مصالح طرف واحد. وإذا فشل الوسطاء في اعتماد هذه المعايير، فسيظل سد النهضة نقطة توتر دائم، والضحية الكبرى ستكون شعوب القرن الأفريقي التي تعاني بالفعل من أزمات متلاحقة في الغذاء والمياه والأمن.



